آراء / تقارير

29 حزيران 2020, 10:52
صحيفة الديار جاسم عجاقة
إجراءات زادت العجز وضربت الليرة اللبنانية

بلغ عجز الموازنة في الأشهر الخمسة الأولى من 2020 ما يوازي 4000 مليار ليرة لبنانية (منها 1360 مليار ليرة في أيار/مايو فقط) مقارنة بـ3597 مليار ليرة للفترة نفسها من العام الماضي! وبالنظر إلى تفاصيل الإنفاق في الأشهر الأربعة الأولى من 2020 (كانون الثاني/يناير إلى نيسان/أبريل)، نرى أن الإنفاق العام إرتفع إلى 7380 مليار ليرة مقارنة بـ7279 مليار ليرة للفترة نفسها من 2019! أمّا الإيرادات فقد تراجعت من 5217 مليار ليرة إلى 4740 مليار ليرة. وهنا تُطرح الأسئلة الجوهرية التالية: ما هي قيمة عجز الموازنة في نهاية هذا العام؟ وكيف ستمّول الحكومة هذا العجز؟

بالتزامن مع تسجيل هذه الأرقام الكارثية، كان مُلفتًا تصريح رئيسة صندوق النقد الدولي كريستينا جورجييفا من أنه "لا يوجد سبب بعد لتوقّع حدوث إنفراج في الأزمة الإقتصادية في لبنان". هذا الكلام الذي أتى بعد إنقضاء 18 جولة من المفاوضات بين الدولة اللبنانية والصندوق، يعني أن المفاوضات هي أمام حائط مسدود ومن المتوقّع أن يكون للبعد السياسي تأثير كبير في هذه المفاوضات خصوصًا أنه من الظاهر أن الحكومة لا تملك التوكيل من القوى السياسية الداعمة لها للقيام بهذه المفاوضات.

عجز الموازنة وعجز الحكومة
كان من المنتظر من الحكومة أن تعمد في ظل تقاطع خمسة أزمات (صحية، مالية، نقدية، إقتصادية وسياسية) أن تعمد إلى خفض الإنفاق العام خصوصًا أن التعبئة العامّة التي أعلنتها والتي أدّت إلى وقف النشاط الإقتصادي قلّلت من إيرادات الخزينة. إلا أنه وبحسب الأرقام بلغ الإنفاق العام في الأشهر الأربعة الأولى، 7380 مليار ليرة مقارنة بـ7279 مليارا للفترة نفسها من 2019 أي بزيادة 1.4%! هذا الأمر لا يُمكن تفهمه نظرا إلى أن حكومة الرئيس حسّان دياب تشكّلت في 21 كانون الثاني/يناير 2020 وأخذت الثقة في 11 شباط/فبراير 2020، مما يعني أنه في أسوأ الأحوال كان على الحكومة خفض الإنفاق في الأشهر التي تلت! وبالنظر إلى الإنفاق الشهري في شباط/فبراير وأذار/مارس ونيسان/أبريل، نرى أن الإنفاق إنخفض بنسبة قليلة جدًا (148 مليار ليرة في شباط، 59 مليار ليرة في أذار، 425 مليار ليرة في نيسان). وهنا نطرح السؤال: أين تمّ إنفاق هذه الأموال في حين أن البلد كان في حال تعبئة عامّة بدأت في 15 أذار 2020؟

لذا نستنتج من هذه الأرقام أن الإجراءات الحكومية للجم الإنفاق لم تكن على المستوى المطلوب لا بل على العكس أسهمت الحكومة في زيادة العجز منذ حصولها على الثقة من المجلس النيابي. وعلى هذا المُعدّل يُتوقّع أن يصل العجز في أخر العام إلى 9600 مليار ليرة (9.6 تريليون ليرة) أي أنه سيبلغ 12.2% من الناتج المحلّي الإجمالي المُتوقّع في الخطة الحكومية للعام 2020 (87.7 تريليون ليرة)!

ويبقى السؤال الأساسي: من أين ستموّل الحكومة اللبنانية هذا العجز؟ في الواقع من يموّل هذا العجز هو مصرف لبنان. نعم مصرف لبنان يموّل الدولة اللبنانية وإنفاقها لأنه لا توجد أية خيارات ثانية أمام الحكومة وهي العاجزة عن إيجاد مخرج للأزمة الحالية. وبحسب الأرقام المتوافرة، يخرج من مصرف لبنان ما بين 1.5 إلى 2 تريليون ليرة لبنانية شهريًا لتغذية عجز الحكومة وفي نفس الوقت تلبية طلب المودعين. هذا الرقم مخيف ويزيد من الضغط على الليرة اللبنانية بشكل غير مسبوق.

الليرة وسعر صرف الدولار
وهنا نستنتج أن الحكومة التي هاجمت مصرف لبنان وحاكمه على ما أسمته "تمويل غير مبرّر للدولة من أموال المودعين وتثبيت وهمي لسعر صرف الليرة"، أصبحت تُطالب المركزي بتمويل عجزها بمعدّل 4 تريليون على خمسة أشهر ولكن أيضًا تطلب منه ضخّ الدولارات في الأسواق بهدف تثبيت سعر صرف الليرة بعد أن وجّهت بحد ذاتها (أي الحكومة) ثلاثة ضربات مُتتالية لليرة أتت على الشكل التالي:
أولاـ التخلّف عن دفع سندات "اليوروبوندز" والتي كانت تُشكّل المصدر الوحيد للدوّلة اللبنانية بالدولار الأميركي.
ثانياـ طرحت في خطّتها خفض سعر صرف الليرة إلى 3500 ليرة للدولار الواحد، مما يعني أن الأسواق أصبحت تتعامل مع الليرة على أساس طرح الحكومة.
ثالثاـ أعربت الحكومة على لسان وزير المال عن إستعدادها لتحرير سعر صرف الليرة بالكامل، وهو ما أثار الرعب في الأسواق ودفع بالمواطنين إلى التخلّص من ليراتهم بأي ثمن. وهنا يقول خبراء ماليون إنه في ظل أزمة مالية، لا يجب طرح نظريات تحرير قيمة الليرة بل التمسك بسعر الليرة ودعمها.

إذا، نرى مما تقدّم أن الحكومة التي قالت في خطّتها أنها ستُخفّض قيمة الليرة إلى 3500 ليرة مقابل كل دولار، غير قادرة على ضبط سعر الصرف في الأسواق حيث بلغ سعر صرف الدولار في الأيام الأخيرة مستوى الـ8000 ليرة.

وهنا نسأل: لماذا وصل سعر صرف الليرة إلى 8000؟ إقتصاديا وفقط إقتصاديا، يجب أن يكون سعر صرف الدولار بحدود الـ750 ليرة، وذلك بحكم أن الإستيراد إنخفض على أساس سنوي بنسبة 50 إلى 60%! إذا السعر الموجود في الأسواق هو ليس سعر إقتصادي بل يعكس أربعة ظاهرات هي:
أولاـ هلع المواطنين الناتج عن خطّة الحكومة وعن الوضع الإقتصادي مما دفعهم إلى التخلّص من الليرة لصالح الدولار.
ثانياـ التردّي الواضح في المالية العامّة خصوصا بعد وقف دفع إستحقاقات الدين وإعلان التعثّر رسميًا مما يعني زيادة العجز والدين العام.
ثالثًاـ إنخفاض الناتج المحلّي الإجمالي نتيجة وقف النشاط الإقتصادي بسبب جائحة كورونا؛
رابعًاـ المواجهة السياسية المفتوحة بين الأفرقاء في الداخل (موالية ومعارضة)، وبين الولايات المُتحدة و"حزب الله" خصوصًا مع دخول قانون قيصر حيز التنفيذ في 17 الشهر الماضي. وهذا الأمر يترك مخاوف على صعيد ضعف الليرة مقابل الدولار نتيجة عقوبات مُحتملة قد تفرضها واشنطن على لبنان نتيجة خرقه "قانون قيصر".

الخطّة الحكومية ضربة للكيان اللبناني
الخطّة الحكومية التي تمّ إعتمادها في جلسة مجلس الوزراء وتمّ تسميتها بـ"خطّة التعافي للحكومة اللبنانية"، هي خطّة مبنية على ثلاثة محاور:

أولاًـ إعتبار الدين العام البالغ 91.6 مليار (حتى تاريخ إعلان التوقف عن دفع مستحقات الديون) خسارة كاملة، وتحميله لكل من مصرف لبنان (من خلال وضع اليد على مداخيل الـseignorage، المصارف التجارية من خلال وضع اليد على رأسمالها) وعلى قسم من المودعين الذين يملكون حسابات بأكثر من 500 ألف دولار أميركي (وذلك من خلال الـbailin أو "الهيركات").

ثانيًاـ خفض سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي مما يسمح بمحو عجز ميزان المدفوعات، وذلك عبر خفض القدرة الشرائية للمواطن. هذه القدرة الشرائية أخذت فعليًا بالتراجع مع تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي في السوق السوداء.

ثالثًاـ طلب مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي لتمويل الإنفاق الحكومي في السنين القادمة على أن يتمّ تفعيل مؤتمر "سيدر"، وبالتالي جذب الإستثمارات.

المنهجية التي إتبعتها الحكومة هي منهجية غير مُعتادة بحكم أنها قامت بمحو دينها وتحميله للغير (مصرف لبنان، المصارف التجارية والمودعين). وهذا الأمر لا يُمكن القبول به بحكم أن أي شخص مديون لمصرف لا يُمكنه التوقف عن سداد ديونه وتحميلها إلى شخص آخر أو إلى المصرف من دون أن يتحمّل هو مسؤولية ولو معنوية! من هذا المُنطلق، كان هناك إعتراض من قبل مصرف لبنان الذي أكّد أن لا خسائر لديه بحكم أن مداخيل سك وطبع العملة هي مداخيل حقيقية ولا يُمكن نكرانها! أيضًا رفضت المصارف اللبنانية تحميلها خسائر الدولة من دون أن تتحمّل الدولة أية مسؤولية في الأمر. أما المودعين، فذنبهم أن لهم حسابات في المصارف، وبالتالي قامت الخطّة الحكومية بتحميلهم جزء من المسؤولية.

ولكي توزّع الحكومة الدين العام على القطاع المصرفي والمودعين، قامت بطرح مقولة أن مصرف لبنان يتحمل خسائر بقيمة 42.8 مليار دولار (تثبيت سعر صرف الليرة وتمويل الدولة). هذا الأمر غير دقيق بحكم أن مداخيل سك وطبع العملة تُغطي هذه الكلفة (حتى ولو أن التغطية هي مستقبلية مع موافقة صندوق النقد). من ثم قامت الحكومة بالقول أن خسائر مصرف لبنان (المفترضة) ستمتدّ إلى المصارف التجارية بالإضافة إلى التعثر في القروض إلى القطاع الخاص وبالتالي قامت بتصفير رأسمالها مُعتمدة تقنية "الأكورديون" المستوردة من فرنسا (USINOR).  وبما أن أموال مصرف لبنان والمصارف التجارية غير كافية، قامت بطرح فرض الـBailin وهو ما يعني إجبار المودعين على أن يُصبحوا مساهمين في المصرف.

الإختلاف مع لجنة المال والموازنة في عملية إحتساب الخسائر نابع من أن لجنة المال والموازنة إتبعت طريقة منطقية وبراغماتية. وبالتالي فإن حجم الخسائر المتوقّعة إنخفض من 241 ألف مليار ليرة في خطّة الحكومة إلى 80 ألف مليار ليرة لدى لجنة المال والموازنة.

إلا أنه من الظاهر أن عددًا من المستشارين لم يكن راضيًا عما آلت إليه الأمور، لذا تمّ الإتصال بصندوق النقد من قبل هؤلاء وتمّ الإستحصال على تصريح أن أرقام الصندوق هي أقرب إلى أرقام الحكومة. مصلحة صندوق النقد في تعظيم الخسائر واضحة وتنصّ على تسديد الخسائر من الأموال الموجودة في مصرف لبنان والمصارف التجارية (سواء كانت أموال خاصة أو أموال المودعين)! وهذا الأمر يجعل من مساهمة الصندوق أقلّ في عملية الإنقاذ.

إن عملية الإستسلام الكلّي للمتطلبات صندوق النقد واضحة المعالم في الخطّة الحكومية ويُمكن إختصارها في ثلاثة نقاط: تحرير سعر صرف الليرة، سحب الدعم، والخصخصة. وهذه النقاط الثلاث تسعى الحكومة إلى وضعها موضع التنفيذ مُتخطّية المجلس النيابي. فعملية تحرير سعر صرف الليرة أمر بدأت فيه الحكومة وتُكمله السوق السوداء، أما رفع الدعم فقد أتى على شكل إقتراح من قبل الحكومة من خلال رفع الدعم عن المواد الأساسية مما يعني أن لا حاجة لثتبيت سعر الصرف لاحقًا. وفي ما يخصّ الخصخصة، فإن ملامحه في الخطّة واضحة من خلال الصندوق المنوي إنشاءه والذي يحوي على شياطين في تفاصيله!

وفيما يخصّ قانون "الكابيتال كونترول"، فالمعروف أن الصندوق يُريد بقوة أن يتمّ إقرار هذا القانون. إلا أن المعطيات لا تُشير أن للبنان مصلحة في ذلك خصوصًا أنه يضرب الثقة بالقطاع المصرفي ويُمكن من دون أية صعوبة منع المصارف من الإستنسابية بحكم أن مصرف له سلطة رقابية تشريعية على المصارف، وبالتالي يستطيع أن "يدوّزن" هذه العملية بالتوافق مع الحكومة.

وتبقى النقطة الأكثر حماوة وهي قضية مراقبة الحدود البرية مع سوريا والتي تحوي على بعد سياسي صرّح عنه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله برفضه وضع قوّة دولية لمراقبة الحدود والإكتفاء بالقوى المسلّحة اللبنانية. وبالتالي لا تملك هذه الحكومة توكيل من قبل القوى السياسية الداعمة لها لمفاوضة صندوق النقد على هذه النقطة وعلى نقاط أخرى.

حكومة تصريف أعمال
إن عمل الحكومة أصبح يُشبه إلى حدٍ بعيد عمل حكومة تصريف الأعمال بإستثناء الإجتماعات التي تقوم بها. وبإعتقادنا، إن النوايا الحسنة لأعضاء هذه الحكومة تمّ ترجمتها بإجراءات كارثية على الأرض وهي التي لم تستطع ضبط الأسعار عبر السماح للتجار بممارسة الـeplacement cost مع العلم أنه ممنوع في المرسوم الإشتراعي 73/83 كما أنها لم تستطع القيام بأية إصلاحات وعلى رأسها قطاع الكهرباء والجمارك والإتصالات والقطاع العام ومحاربة الفساد.

إن هذه الحكومة إستنفذت كل مصداقيتها تجاه داعميها وبالتالي يُرجّح بعض الخبراء السياسيين أنه بمجرّد وجود البديل، سيتمّ تبديل هذه الحكومة.