آراء / مقالات

29 حزيران 2020, 08:10
صحيفة الشرق الاوسط عبد الله الردادي
المليارات المتبخرة

ما حدث لشركة "وايركارد" الألمانية لم يكن ليخطر ببال أحد، فبعد سلسلة من التحقيقات المحاسبية أعلن المدقق المالي للشركة فقدان أكثر من ملياري دولار من حسابات الشركة، في فضيحة عُدّت من أكبر الاحتيالات في تاريخ الشركات الأوروبية. وفي غضون أسبوع واحد، فقدت الشركة أكثر من 80% من قيمتها السوقية، واستقال مديرها التنفيذي، واعتُقل في اليوم ذاته، وبدأت الشركة في إجراءات الإفلاس، ونظرت هيئة الرقابة المالية الألمانية في قوانينها في مراقبة قوائم الشركات المالية، وصرح وزير الاقتصاد الألماني بـ"أن هذه الحالة من الممكن حدوثها في أي مكان في العالم، ولكن ليس في ألمانيا!"، حدث كل ذلك بسبب شركة كانت في يوم من الأيام نجماً لامعاً في سماء الشركات الألمانية، وفخراً من نجاحات شركاتها الضخمة.

و"وايركارد" ليست شركة ذات تاريخ عريق، إلا أنها ومع ذلك كانت ضمن الشركات الثلاثين لمؤشر "داكس" الألماني الذي يضم شركات مثل "بي إم دبليو" و"فولكسفاغن" و"أديداس» و"سيمنس" وغيرها من الشركات التي تقيّم علاماتها التجارية وحدها بمئات الملايين إن لم تكن المليارات. وتأسست "وايركارد" عام 1999 في نشاط تحصيل دفعات البطاقات الائتمانية للمواقع الإلكترونية قبل أن تتحول لاحقاً لإحدى كبرى شركات التقنية المالية في العالم. وتولى إدارتها التنفيذية ماركوس براون في 2002 حتى استقالته الأسبوع الماضي، وحوّلها من شركة مغمورة في ضواحي ميونيخ، إلى شركة مساهمة في سوق فرانكفورت المالية.

وطوال هذه المدة، كانت "وايركارد" مزيجاً بين الشركة الناجحة ذات الصيت الذائع والسلوك المشبوه في الوقت نفسه. ففي بداية توليه الشركة، استهدف براون المواقع الإباحية ومواقع القمار والتي كانت تتجنبها بقية الشركات المالية. وانضمت لسوق فرانكفورت المالية عام 2005 بأقل من 350 موظفاً! ودخلت القطاع البنكي بعدها بعام بشرائها لـ"إكس كوم" وغيرت اسمه لبنك "وايركارد" حاصلة على ترخيص من "فيزا" و"ماستركارد".

وبدأ الهجوم على هذه الشركة في عام 2008 باتهامها بمخالفات مالية ليتم تعيين الشركة العملاقة "إرنست يونغ" كمدقق مالي لها. إلا أن الشركة استمرت بالنمو وبدأت باستهداف الأسواق الدولية فاستحوذت على عدد من الشركات الآسيوية بتمويل من المستثمرين كانت أضخمها شركة مالية هندية بقيمة تتعدى 350 مليون دولار.

ومنذ عام 2015، بدأت صحيفة "الفاينانشيال تايمز" بإصدار تقارير توضح المخالفات المالية التي تتخذها الشركة، إلا أن الكثير من المستثمرين لم يلتفتوا إلى هذه التقارير، كيف لا والشركة تمكنت من دخول مؤشر "داكس" عام 2018. إلا أن الصحيفة وخلال السنة والنصف الماضية أصدرت سلسلة من التحقيقات عن هذه الشركة وأوضحت فيها وجود فجوة في قوائمها المالية تزيد على 250 مليون دولار، إلا أن هيئة الرقابة المالية الألمانية رفعت شكوى تجاه الصحافيين الذين أصدروا هذا التقرير. واليوم اتضح أن هذه التقارير الصحافية كانت أقرب إلى الحقيقة من الجميع، بل إن المبالغ المفقودة التي يُفترض أن تكون في حساب خاص في بنك فلبيني تعدّت المليارين، واتضح أنها غير موجودة على الإطلاق.

جاءت هذه القضية في وقت سيئ جداً لفرانكفورت، فهي تكافح في الوقت الحالي للحلول مكان لندن كمركز مالي لأوروبا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتتنافس مع مدن أوروبية عدة للحصول على هذه المكانة، وفضيحة كهذه في سوقها المالية تُفقدها ثقة المستثمرين. فلأكثر من عشر سنوات لم تستطع شركة التدقيق المالي ولا هيئة الرقابة المالية اكتشاف هذه الاختلاسات. وحتى اعتقال المدير التنفيذي بتهمة التعظيم الوهمي للأرباح لم يثبت حتى الآن وخرج من السجن في ذات اليوم بكفالة. ويبدو أن أمام السوق المالية في فرانكفورت أياماً عصيبة.

إن ما حدث في "وايركارد" مدعاة حقيقية للتأمل، فكبار المستثمرين لم يتقصوا بالشكل الكافي عن سلوك الشركة، كأن الجميع كان يرفض فكرة أن يكون هذا الجواد الرابح مخادعاً. وهو ما يعيد فكرة إعادة النظر في الشركات الناشئة وكيفية توسعها بشكل أسطوري لتصل في سنوات قليلة إلى ما وصلت إليه شركات في عشرات السنين.

ولكن يبدو أن المستثمرين يحبون الرهان على الجواد الرابح، وفكرة الشركة الناشئة سريعة النجاح هي فكرة ملهمة للكثير منهم، ملهمة لدرجة أفقدت الكثير منهم حسن حكمهم على السوق. وما حدث للشركة قد يضر بكثير من مثيلاتها من الشركات الناشئة، التي تعتمد كثيراً على ضخ المستثمرين للأموال وحبهم للمخاطرة فيها، وقد يغيّر الكثير من الموازين، فأولاً وأخيراً ما حدث لهذه الشركة من تلاعبات مالية لم يحدث في دولة نظامها ضعيف، بل في أقوى اقتصاد أوروبي، وهو ما يؤيد فكرة عدم وجود دولة منيعة من الفساد.