EXCLUSIVE

11 أيار 2020, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
الإفصاح والإمتثال.. علل حسان!

فيما تشرف "كورونا" على رسم ملامح نظام إقتصادي جديد يفتتح عهده بإنكماش أقله 3% لعام الوباء، وهو أكبر تراجع منذ الكساد الكبير عام 1929، بما من شأنه إعادة خلط الحدود وموازين القوى بدءا بتغريدة المرشد الإيراني علي خامنئي بحثا عن "الصلح مع أميركا" وربما بدء مفاوضات تشبه مفاوضات "المرونة الشجاعة" عام 2013، تتلهّى حكومة حسان دياب بتعبيد مسار "خطة التعافي المالية" بعد ما أصابها من سهام محذرة من أهداف تدميرية تضمرها، لتسلك طريقها الى قلب صندوق النقد وملياراته الـ10 الموعودة، إن أحسنت "الإمتثال" لشروط تُوصف بالـ"قاسية"، لكنها تبقى أقل وطأة من مستوى الحضيض الذي بلغه اللبنانيون الموعودون بفترات سماح إضافية تتيحها لنفسها حكومة تتقن دفن رأسها في رمال الأمان الاجتماعي وتعزيز قدرات الصمود. 

اليوم وبحسب ما كشف أحد مستشاري الحكومة، تحتضن بيروت مشاورات يقودها وفد صندوق النقد في مسار طويل سيبدأ مع هذه الحكومة ويمكن أن ينتهي مع سواها، في ظل بروز "نجوم حكومية" قد تلبي متطلبات المشهد الإقليمي والدولي الجديد! وأيضا، ربما تنطلق المفاوضات من هذه الخطة التدميرية لإقتصاد ليبرالي بُني لبنان على أساسه، وتُختتم بخطة واقعية أكثر بتحديد سيناريوهات الإنقاذ من نتاج سياسات تحاصص ونظام فاسد عطّل كل محاولات الإصلاح. 

يجلس لبنان الحكومي على طاولة المفاوضات خاوي اليدين. فلا إنجاز فعلي يكلّل ما عصرته أدمغة "خبيرة" في المحافظة على المكتسبات السياسية، وأنتج خطة "أفلاطونية" تستظل سياسة بعيدة كل البُعد عن مندرجات "الإفصاح" الشفاف، بدليل ظاهرة البيانات الحكومية التي تختلف عن باطن الحقائق. إذ تعمدّت الحكومة تشييع مناخات تفاؤلية استباقا لموقف صندوق النقد الذي إقتصر على "أخذ العلم" بوضع خطة وإعلان موافقتها على البدء بالتشاور لا "الترحيب" بها. كذلك بالنسبة الى ملف الخصومة مع الطائفة الارثوذكسية بعد تحوير كلام رأس الكنيسة عن التعيينات ليتحوّل "إشادة" لا مطالبة، او حتى ما يتصل بموقف فرنسا "الداعم" لعقد اجتماع مجموعة الدعم الدولية للبنان الذي "نفاه" النص الأصلي بالفرنسية. وهذا ينسحب أيضا، على وعود أغدقتها الحكومة لتطمين اللبنانيين، وترجمتها بخطة استندت قاعدتها الإحصائية الى ما جناه الاستشاريون من موقع وكالة "بلومبرغ" (!) بدل الإحصاء المركزي، ولتستهدف إدخال لبنان في نظام جديد يفلس المصارف ويضرب مصرف لبنان، ويزعزع المتبقي من ثقة المودعين والمستثمرين، ويفرض المزيد من الضرائب والرسوم على مكلّفين يعانون في زمن الإنكماش وإنهيار المؤسسات وتلاشي فرص العمل وارتفاع منسوب الفقر الذي حصد 60% من اللبنانيين.  

تصرّ الحكومة على البدء بـ"شطف الدرج" من مصرف لبنان والقطاع المصرفي، علما ان الحكمة تقول بأعلى، أي "الشطف من فوق.. فوق". ستختار إحدى شركات تدقيق مالي وهي KPMG وKroll وOliver Wyman، وتبقي على خاصرتها "لازارد" لمهمات تتجاوز عقدها، وذلك لتحدد تلك الشركات ورغم إنكشاف ارتباط بعضها بالصهيونية العالمية، مسيرة لبنان لمرحلة مصيرية. حتى اليوم، لم توقع الحكومة أي عقد مع شركات التدقيق. وحتى اليوم، لم يتبلغ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بالمهمة المنوي تنفيذها إلا عبر الإعلام، رغم حجم التداعيات التي سيخلفها القرار على سمعة الموقع المالي الأهم ودوره، وتاليا على القطاعات المالية الدائرة في فلكه.  

بخطة تعاف مالية، أعدت الحكومة هجمتها على ما سَلُم من التداعيات، لتتكفل وبصفحات مكتوبة بحبر بارد، بالقضاء على المصرف المركزي والقطاع المصرفي والمودعين والمستثمرين لتحميلهم وزر تغطية "خسائر" قدّرتها بنحو 220 تريليون ليرة، من دون أن تتكلف نفسها عناء "مشورة" أصحاب المال. كيف ستقنع الخطة وفد الصندوق الذي يدقّق في الأرقام ويدرس كل الإحتمالات، بان إنكماش الاقتصاد بـ13.8% هذه السنة سينخفض الى 4.4% بعد عام واحد؟؟ وكيف سيتقلّص عجز الموازنة من 11.3% في 2019 الى 5.3% في 2020 ثم الى 0.8% في 2024؟ وما سبيل خفض الدين العام من الناتج المحلي من 176% في 2019 الى 98.7% في 2024؟ هل تعوّل الحكومة على إقفال كل العجز من "تفليس" القطاع المالي؟ وعلى أي رافعة ستوكل مهمة النمو الجديد؟

سيتقصد صندوق النقد "فلفشة" خطة التعافي، وسيجد مناخا داخليا معكرا بشروط إصلاح مدرجة تحت بند "بدل عن ضائع": فلا إصلاح لقطاع الكهرباء ما دام نظام المحاصصة يستورد "نفايات نفطيّة" (فضيحة "سوناطراك" التي كشفت دخول مجموعات مشبوهة مرتبطة بالعنكبوت المالي، وآخرها المطلوب بمذكرة توقيف دولية فريد بجاوي الجزائري والحائز حديثا على الجنسية اللبنانية!)، إذ أقرّت الخطة بند "الحدّ من تحويلات الكهرباء". ولا اصلاح للقطاع العام بل "ترشيد فاتورة الأجور"، ولا التزام بمنع التوظيف بدليل سابقة استحداث 44 مركزا جديدا لكتّاب العدل قبل أسبوعين. ولا زيادة للايرادات في ظل الانكماش والتهرّب الضريبي وتفلت الحدود امام عمليات تهريب الدولار والمازوت والخبز الى سوريا، وهي عمليات قدّرها حاكم المركزي بـ4 مليارات دولار يخسرها لبنان في دعم استيراد مواد لا يستخدمها. ولا إصلاح للنظام الضريبي بل "توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الضرائب". ولا شبكات أمان اجتماعي بل برامج دعم من مؤسسات المجتمع الدولي للشرائح الأكثر ضعفا. 

خطوة الألف ميل تبدأ اليوم، وتحتاج الى أعوام لوصول الأموال. لكن التعافي الحقيقي يكون بالتفاف شعبي حول حكومة واقعية، لا تغدق ما تعجز عن تنفيذه من وعود. حكومة "الاختصاصيين" قدمت ما لديها: خطة تدميرية وملفات فضائحية. فلم لا تعود حكومة السياسيين وتتحمل مسؤولية الإنقاذ؟