آراء / مقالات

24 آذار 2020, 11:26
صحيفة الديار جاسم عجاقة
لبنان خارج الأزمة بلا مساعدة الصندوق؟

أصدرت وزارة المال اللبنانية بيانًا قالت فيه أن لبنان سيتوقّف عن دفع جميع مستحقات سندات "اليوروبوندز" بالعملات الأجنبية وعددها 29 إصداراً. وأضافت أن الحكومة تعتزم إجراء محادثات "حسن نيّة" مع دائنيها في أقرب وقت في 27 من الجاري من خلال إجراء تبيان للمستثمرين، وذلك بالتوازي مع خطّة إقتصادية مبنية على 3 محاور: إعادة الإستدامة الى المالية العامة من خلال إعادة هيكلة الدين العام وإعتماد سلسلة من التدابير المالية؛ إرساء بيئة مؤاتية للنمو من خلال برنامج إصلاحي هيكلي شامل يتضمّن تدابير آيلة الى تحسين الحوكمة ومكافحة الفساد؛ وإعادة الاستقرار الى النظام المالي واصلاحه من خلال إعادة هيكلة القطاع المصرفي. كما لحظ بيان وزارة المال أن الحكومة ستتخذ جميع الإجراءات التي تعتبرها ضرورية لإدارة احتياطي لبنان المحدود من العملات الأجنبية بحكمة وحذر.

في الشكل هذه الخطوة كانت مُتوقّعة بعد إعلان رئيس الحكومة حسان دياب تعليق لبنان دفع سندات "اليوروبوندز" التي إستحقت في 9 أذار/مارس الماضي. وبالتالي يُمكن تبرير هذه الأمر بواقع أن التخلّف عن سداد إصدار يجعل كل الإصدارات مُستحقّة.

في المضمون، الخطوة الأولى أي تعليق سداد سند "اليوروبوندز" الذي إستحق في 9 أذار/مارس الماضي كان خطوة مُتسرّعة من ناحية أنها أتت قبل القيام بمفاوضات مع الدائنين. والتمعن في تصريح وزارة المال، يوصل إلى هذه النتيجة إذ أن الحكومة تنوي بدء المفاوضات فعليًا في 27 الجاري.

وإذا ما نظرنا بتعمّق إلى المحاور الثلاثة التي تبني الحكومة خطتها الإنقاذية عليها، يُمكننا إستخراج الأسئلة التالية:

إعادة هيكلة الدين العام
آليات إعادة الهيكلة تتضمّن العديد من الإجراءات التي يُمكن القيام بها منفردة أو بالتوازي في ما بينها. ومن هذه الآليات نذكر الـswaps، خفض قيمة الفوائد، إعادة الجدّولة، إعطاء وقت إضافي للدفع، أو خفض قيمة رأس المال الإسمي haircut.

على هذا الصعيد، هناك مُشكلة قانونية تعتري كل هذه الآليات وهي الإطار القانوني الغامض الذي يعتريها مع كثرة اللاعبين كما والقوانين المرعية الإجراء. فمثلاً ماذا سيحصل إذا لم تنجح المفاوضات التي ستقوم بها الحكومة مع الدائنين؟ هل سيقوم هؤلاء بدعاوى ضد الحكومة اللبنانية لحجز أصولها في المحاكم الأجنبية حيث لا ضمانة سيادية؟ وما هي الضمانات لعدم حصول هذا الأمر؟ كلها أسئلة تبقى الأجوبة عليها غامضة.

هذه المُشكلة ليست الوحيدة، فبفرضية أن تقوم الحكومة اللبنانية بخفض قيمة رأس المال الإسمي للدين العام أو ما يُعرف بالـHaircut ماذا سيحّل بالمودعين اللبنانيين الذين يمتلكون 14.9 مليار دولار من خلال المصارف اللبنانية و5.9 مليار دولار بأقصى حدّ من خلال مصرف لبنان؟ هل سيتم إجراء هيركت على الإستثمارات في سندات الخزينة؟

وهنا نطرح السؤال الأساسي: ماذا تعني عبارة "إتخاذ سلسلة من التدابير المالية"؟ هل هو تمهيد لإقتطاع الودائع؟ وهل لقانون "الكابيتال كونترول" الذي سيتمّ بحثه اليوم في جلسة مجلس الوزراء علاقة بهذا الأمر؟ الجدير ذكره أن المستثمرين الأجانب يمتلكون ما يوزاي الـ12 مليار دولار من سندات "اليوربوندز" من إجمالي 30 مليار دولار.

إلى ما سبق، هناك مخاوف تأتي من نقطتين: الأولى خفض سعر صرف الليرة اللبنانية وذلك بهدف خفض القدرة الشرائية (وبالتالي الإستيراد) للمواطن اللبناني، والثانية رفع الضرائب بشكل كبير مع سحب الدعم عن كل الخدمات والسلع وخصخصة المرافق العامّة.

برنامج إصلاحي هيكلي شامل 
تهدف الحكومة بحسب بيان وزارة المال إلى إرساء بيئة مؤاتية للنمو من خلال برنامج إصلاحي هيكلي شامل يتضمّن تدابير آيلة الى تحسين الحوكمة ومكافحة الفساد. وهذا الأمر، إذا ما حصل، سيكون نقطة إيجابية جدًا عجزت كل الحكومات السابقة عن القيام به. وهنا نطرح السؤال: ماذا ستفعل الحكومة بالمؤسسات المحسوبة على القوى السياسية؟ هل ستتمكّن من إغلاقها أو إصلاحها وهي التي تهدر المال العام من دون أي جدوى إقتصادية؟ وماذا ستفعل مع الموظفين في القطاع العام الذين لا يقومون بواجباتهم الوظيفية، هل ستتمكن من طردهم؟ على كل الأحوال ملف الكهرباء سيكون الإختبار الأول لهذه الحكومة خصوصًا أن المواجهة ستكون قوية بين القوى السياسية على هذا الملف الذي خسّر الخزينة العامّة ما يوازي نصف دينها العام!

إعادة هيكلة القطاع المصرفي 
قال رئيس الحكومة حسان دياب، أن الدولة اللبنانية لا تحتاج إلى قطاع مصرفي حجمه أربعة أضعاف الإقتصاد اللبناني. هذا القول تبعه عبارة إستخدمها دولة الرئيس وأعاد بيان وزارة المال التأكيد عليها وهي عبارة "إعادة هيكلة القطاع المصرفي".

حجم القطاع المصرفي الذي يتحدّث عنه رئيس الحكومة مُكوّن من ثلاثة أجزاء: أموال المودعين، أموال المصارف الخاصة (من ضمّنها رأس المال)، وأموال مصرف لبنان الخاصة ووادئع المصارف فيه.

هذه الأموال بمعظمها هي أموال خاصة أي تابعة للمودعين أو للمصارف. وبالتالي إذا ما ذهبنا بإتجاه طرح الحكومة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، نطرح السؤال عن معنى إعادة الهيكلة هذه في ظل قدسية الملكية التي ينصّ عليها الدستور اللبناني؟ وجلّ ما تستطيع الحكومة القيام به هو إستخدام الأداة التشريعية لفرض ضرائب أو شروط على رأس مال المصارف لتغيير طابع المصارف. وبالتالي لم تستطع الأسواق تفسير قول رئيس الحكومة حسان دياب عن إعادة هيكلة القطاع المصرفي!

في المطلق، المصارف اللبنانية أخطأت في الإستنسابية التي إعتمدتها خلال الأزمة. وهذه الإستنسابية مُعاقب عليها في القانون ويجب أخذ تدابير بحق المصارف التي مارست هذه الإستنسابية، إلا أنه يجب التنبّه إلى عدم ضرب القطاع المصرفي الذي شكّل منذ الإستقلال حين بدأ الفلسطينيون يُرسلون أموالهم إلى المصارف اللبنانية، الصورة الجميلة والتي يثق بها المُستثمرون والمودعون في العالم أجمع. وأخر دلائل هذه الثقة، الوديعة بقيمة 1.4 مليار دولار أميركي التي دخلت إلى لبنان في آب/أغسطس 2019.

والأهم ماذا يعني إعادة هيكلة مصرف لبنان؟ هل هو توجّه من الحكومة إلى ضرب إستقلالية المصرف المركزي في حين أن الدول تتجه إلى إعطاء الإستقلالية للمصارف المركزية فيها على مثال دولة الإمارات العربية المُتحدة التي إعتمدت النموذج اللبناني؟ بالطبع ما سبق، لا يُشكّل تشكيكًا بمصداقية رئيس الحكومة أو أعضائها، بل بالأحرى لفت نظر إلى خطورة المس بإستقلالية المصرف المركزي كما نصّ عليها قانون النقد والتسليف.

المالية العامة علّة العلل 
ما لم تقلّه الحكومة أو رئيسها أن كل المصائب التي نمرّ بها حاليًا على الصعيد المالي هي نتاج العجز المُزمن في الموازنة منذ ثلاثة عقود، حيث من المتوقّع أن تُسجّل موازنة 2020 عجزًا يفوق الـ10% من الناتج المحلّي الإجمالي حتى بدون خدمة الدين العام!

الأرقام المتوافرة على موقع وزارة المال من 2012 وحتى 2018 تُعطي صورة سيئة عن وضع المالية العامة والكارثة التي وصلنا إليها. فعلى الفترة المُمتدّة من 2012 إلى 2018، تمّ دفع 1.59 مليار دولار من أساس الدين الخارجي!!!! وهذا يعني أن الحكومات المُتعاقبة كانت تُموّل إنفاقها من الدولار الأميركي من خلال الإستدانة التي وصلت إلى 30 مليار دولار!

أيضًا وبالنظر إلى عجز الموازنة على نفس الفترة، نرى أن العجز المتراكم بلغ 36 مليار دولار، مما يعني أن 39% من إجمالي الدين العام تراكم على فترة 8 سنوات!

13 مليار دولار قيمة التحاويل التي قامت بها وزارة المال إلى مؤسسة كهرباء لبنان على نفس الفترة وإذا ما إحتسبنا قيمة الفائدة، فإن هذا الرقم يقترب بكل سهولة من الـ20 مليار دولار. مما يعني أن قطاع الكهرباء مسؤول عن نصف العجز على هذه الفترة.

أمّا الإيرادات فحدّث ولا حرج مع قطاع إتصالات لا يُعطي مداخيل إلا نصف ما كان يُعطيه في 2014. والسؤال لماذا؟

على كل الحكومة أمام إمتحان المصداقية أمام مواطنيها ولكن أيضًا أمام الدائنين والأسواق المالية عمومًا. وبالتالي تنتظر هذه الأخيرة الخطّة الإنقاذية التي ستقوم الحكومة بإعلانها في أول أسبوع من أيار/مايو بحسب المعلومات المتوافرة. هذه المصداقية سيكون أمامها، بالإضافة إلى الصعوبات السياسية، صعوبات ناتجة عن فيروس "كورونا" الذي فتك بالإقتصاد اللبناني إلى مستويات أصبح معها من شبه المستحيل إيجاد حلّ داخلي.