EXCLUSIVE

16 آذار 2020, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
إقتصاد "ممنوع من الصرف"

من دون إستئذان، اقتحم "كورونا"، الفيروس الصيني المنشأ، النظام العالمي بكل مفاصله السياسية والإقتصادية والإجتماعية، ليعطّل دورة الحياة اليومية ويغلق السماء والأرض أمام أي حركة تدبّ فيها الحياة، ويشتبه في أنها قد تنقل العدوى باللمس أو بالعطس..

دول كثيرة أعلنت حال الطوارئ، وأخرى تشدّدت في إجراءات حجر صحي طال الملايين. ففي الصين، فرضت بيجينغ الحجر على إقليم هوبي الذي يبلغ عدد سكانه 56 مليون شخص، فيما فرضت إيطاليا حجرا على كامل السكان (60.5 مليونا) وإسبانيا بعدها (47 مليونا) لتتمدّد العدوى إلى معظم سكان أوروبا البالغ عددهم نحو 742 مليونا إثر اعتبار القارة "بؤرة جديدة" للفيروس. بدورها، الولايات المتحدة (329 مليون شخص) ركبت موجة الحجر لوقف تفشي التداعيات. ومع الحجر الصحي، كان لا بد من إقفال المطارات وخصوصا مع دول الإنتشار وحصر إستقبال القادمين بالمواطنين وحدهم. 

مشهد جديد فاجئ سكان الأرض الذي أدمنوا وسائل التواصل الإجتماعي بعدما أتاح لهم، ولأعوام خلت، تجوالا فرضيا وغير مكلف لا ماديا ولا زمنيا، استطاعوا من خلاله معرفة كل ما يدور أينما كان وبسرعة البرق. تقطّعت الأوصال، ومعها كل قنوات التبادل البشري والتجاري (سلع ونفط..) ليغرق العالم في ركود مقبل حتما، يخشى أن يكون توأم "الكساد الكبير" (1929) الذي ساوى في الفقر والبطالة والعوز ما بين الدول، وخفّض التجارة العالمية ما بين النصف والثلثين، وأطاح بالدخل الفردي وعائدات الضرائب والأرباح والأسعار.

هل هذا ما تفعله "كورونا" اليوم؟
يستحيل تحديد التوقعات حتى إيجاد علاج فاعل يقضي على الفيروس المتمدد عبر القارات. وإلى حينه، يبقى على الدول أن تتأقلم تحسبا وتطويقا. لكن المؤكد هو تكبّد الإقتصاد العالمي خسائر ستفوق الـ50 مليار دولار بفعل الشلل الذي ضرب قطاعات الطيران والتصنيع والتوريد والشحن والتكنولوجيا والنفط، فيما استمرار إنهيار أسواق المال والأسهم يترجم المخاوف من تراجعات دراماتيكية تنذر بأضرار فادحة ستصيب مجالات الإستثمار مباشرة.

وحده لبنان، بدا حالة فريدة. بعد تردد لنحو أسبوع، لجأ أمس إلى إعلان "حال طوارئ صحية" (لم تعلنها أي دولة بعد) أقفلت كل البلاد أرضا وسماء، من دون أن تسلم الجيش مقاليد التحكّم بقرار إدارة الأزمة الطارئة، لتُعهد المهمة إلى وزارات وإدارات عامة تُبقي الكلمة الفصل عند "السياسة" لا "العسكر".

ليس مهما شكل القرار الحكومي بل مضمونه، وإن كان يستلحق واقعا فرضه لجوء اللبنانيين بالفعل قبل أيام، إلى الحجر الصحي المنزلي والعزل عن أماكن التجمعات والإنكفاء عن أماكن العمل لحماية أنفسهم بعد "تخلّف" السلطة. لكن الخطورة تكمن في ما يكتنزه باطن القرار من إصرار على إدارة بوصلة "حكومة الإختصاصيين" وتوجيهها نحو أغراض محددة، رغم إصرار أحزاب السلطة الحاكمة على نفي علاقتها بالحكم من بعيد أو قريب!

حلّت لعنة "كورونا" لتضفي تحوّلا جذريا في سلّم الأولويات رغم خطورة كل أوجه المرحلة التي يمرّ بها لبنان، إقتصاديا وماليا ونقديا، والآن صحيا... فقد طغت أخبار الفيروس على ما عداها، لتنسي اللبنانيين مَن أبَعَد "كأس الإنقاذ"، ولو بمرارتها، وفرض شروطا وحدّد معايير لمساعدة صندوق النقد الدولي التي يتكّلف الإقتصاد ملايين الدولارات عن تأخير كل يوم.. الصندوق ينتظر "خطة النهوض" من بيروت، والتي يبدو أنها لا تزال "ممنوعة من الصرف". كذلك، إنحدر الى منتصف لائحة الإهتمامات، إستحقاق "اليوروبوندز" رغم أن مهلة إعلان لبنان "دولة متعثرة" تحين عند منتصف الليل، أي بعد إستهلاك مهلة الأسبوع التي أعقبت قرار "وقف" دفع إستحقاق 9 آذار/مارس الجاري من دون جدوى. قيل إن الحكومة تنتظر جوابا من الدائنين الخارجيين، وهؤلاء ينتظرون عرضا مقنعا من بيروت.. المهم أن القرار صدر ولم يصدر بعد.. 

ماذا بعد؟ 
في عطلة الأسبوع، لم يرشح جديد عن أجواء التفاوض. فلا كلام في العلن، ولا تقدّم على صعيد إستمزاج رأي حملة سندات الـ1.2 مليار دولار، من الخارج حتى الداخل. لكن المرتقب هو تعقيدات كثيرة ستصيب ملف المفاوضات مع "تشتت" هوية الدائنين وصعوبة جمع 75% منهم لإجراء تسوية كان يؤمل في أن تهرع اليها الحكومة من قبل لتحديد مصير الـ29 إستحقاقا المترتبة على لبنان بدل التركيز على خطوة التخلّف الأولى، لأن التعثر عن دفع أول استحقاق سينسحب تراكميا على المقبل منها مع الفوائد المترتبة عليها.

في حال الترقب، يجب رصد موقف وكالات التصنيف لمعاينة الموقع الجديد للبنان الذي بلغ أدنى الدرجات، مع كل ما يترتب عليه من تداعيات على الديون السيادية والقطاع المصرفي الحائر بين مداواة جروحه داخليا وحماية سمعته الخارجية. وتاليا، سينعكس كل ذلك على مسار الكلفة الإضافية التي سيتكبدها "إقتصاد الفقر والعوز"، وكان في غنى عنها.

مسار تعثري يقود لبنان في مندرجات لا يستحقها. أزمات تتراكم في الجانب المالي والإجتماعي مصدرها سياسي بحت، فيما الصحي منها فرضته "كورونا" غير العابئة بأثقال رمتها على ما يرزح تحته الإقتصاد المتهالك..

هل لبنان على مشارف إقتصاد "ممنوع من الصرف" مُقفلة عليه مسارب النهوض؟
تفرض درجات الخطورة القفز فوق كل الإعتبارات السياسية والخلافات الحزبية والصراعات على السلطة، والإسراع في استنساخ تجارب إنقاذية لدول "محترمة" قد يكون أقربها جغرافيا من قبرص، الجزيرة التي نهضت من كبوتها المالية بأقل من التوقعات، وفرضت بالأمس "حال طوارئ" لجبه تداعيات "كورونا" مع إجراءات متشددة وحزمة مالية تصل الى 3% من ناتجها القومي!