EXCLUSIVE

09 آذار 2020, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
لبنان يغازل آخر لصقات الثقة..

بدءا من اليوم، يرتاح لبنان من همّ دفع الديون. أعلن تخلّفه رسميا قبل يومين، وأسقط عن كاهله عبء أصعب قرار لم تجرؤ أي من الحكومات على إتخاذه أو مجرد التفكير فيه في عزّ أزمات الشحّ والعوز.

قال حسان دياب كلمة حكومته من دون أن يرف له جفن. لم يأبه لنصائح ومشورات كانت أرادت له أن يستظل المجتمع الدولي قبل أن يفتح نار المواجهة، وأن يبادر إلى طمأنة داخل قلق على مستقبل من دون أفق، ليحدّد وجهة سيقود إليها البلاد ومعها العباد.

لم يتأبط ذراع صندوق النقد لأن "حزب الله" أصدر حكمه بـ"الفيتو"، ونقطة على السطر. لم يتأبط دعم المجتمع المحلي لأن الأجندات الخاصة التي تحرّك الشارع، فقدت البوصلة، فارتحل الحراك من ساحات إلى أخرى من دون أن يدرك ما في الخلفيات من نوايا وأهداف. التصويب على القطاع المصرفي وعلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، رجل المرحلة الأصعب، ليكونا الحلقة الأضعف بلغة الشارع، والأكثر إستهدافا بلغة السلطة، تهربا من المسؤوليات وتهريبا لمسؤولين فعليين عن تداعيات جرائم ارتُكبت على مدى عقود.

من دون هامش إعلامي إستيضاحا للنواقص، قدّم دياب موقفا عاريا من كل أشكال الدعم. فلا خطة إنقاذ ترافقت وقرار وقف الدفع، ولا خطة إصلاح مفصلة تكفلت التطبيق وحسنه بعد تجارب مرة خذلت المجتمع الدولي مرارا، وأبقت لبنان في دوائر الخطر. بمبررات تعبيرية مثيرة لغويا، أعلن دياب القرار، ولم يغفل معاتبة السلطة التي عاثت فسادا وقحا وجريئا على مدى عقود ثلاثة. 

لم يقل دياب للبنانيين الذين تجرّعوا كأس التوقف عن الدفع مسبقا بتمهيد ممنهج قبل نحو أسبوع، كيف ومتى وعلى أي أسس، سيفتح رسميا قنوات التفاوض مع الدائنين الخارجيين. لم يفصح عن خطة ممرحلة زمنيا وبالضمانات، إن كانت لديه فعلا وممَن، لإقناع حملة السندات الأجانب بإعادة جدولة يجب أن تفضي إلى إقتطاع ("هيركات") من أصل الديون. كل ما بلغ من أصداء، هو تفسير طلع به وزير الإقتصاد راوول نعمة ليؤكد أن المرحلة التفاوضية لن تتجاوز الـ9 أشهر. جيد، ولكن كيف سيستطيع لبنان تمرير المرحلة إلى حينه؟ وبأي أدوات إقتصادية ومالية ونقدية سيتمكن اللبنانيون من جبه الأزمات والإستمرار معيشيا بعدما فقدوا كل مقومات الصمود؟

كان ينتظر اللبنانيون من رئيس الحكومة مصارحتهم بما هو آت. إجراءات موجعة تحدث عنها أخيرا أكثر من مسؤول، وهي قاضية بحكم الواقع، على كل مقومات العيش المتوافر، أو ما بقي منه، لتقضّ المضاجع بسلة ضرائب ورسوم لا مفرّ منها، سواء فرضها لبنان أو إقترحها صندوق النقد الدولي ضمن برنامج إنقاذي يبقى غير مقبول داخليا، رغم إستحالة توليد ثقة من جديد بأن الحكومة، بما تمثل من خيارات سياسية وإقتصادية، قادرة على الإلتزام هذه المرة، بإصلاح ذات البين ما بين لبنان الإنهيار ولبنان النهوض.

لا تحيا الدولة بتوفير ما يتيح لها إستيراد حاجاتها الأساس من الخارج فحسب. فالحاجة إلى أكثر، إلى ما يوفّر للمواطنين فرص عمل وسعر صرف قادرين على وقايته من الآتي الأعظم. وهذا لن يكون مقدّرا إن لم تفتح الحكومة أبوابها على محيطها القريب والبعيد، لتعيد ما يحتاجه الإقتصاد من جرعات نقدية وبالمليارات، تكفل إعادة عجلته إلى الدوران. لكن، كيف السبيل والخارج الإقليمي ما زال "مقاطعا" دولة لم تحترم حياديتها، فيما الخارج الدولي يترقب أولى الخطوات الإصلاحية ليقرّ ويعترف بشرعية الحكومة قبل أن يحرّر لها مليارات أسرها "سيدر" والبنك الدولي ومؤسسات أخرى.

بدءا من اليوم، يترقب العالم كيف سيدير لبنان أزمة ديونه، وسيقع حتما تحت وطأة خفض تصنيفه مجددا، مع كل ما يعني من مفاعيل مستجدة على الكلفة العامة للبلاد. هي مرحلة صعبة مقبلة، لكن كان يمكن للأفق أن ينقشع بسرعة بوجود صندوق النقد إلى جانب لبنان، حتى وإن من دون برنامج إنقاذي يثير الهلع لدى البعض. 

بدءا من اليوم، يفترض بالحكومة والقضاء أن يضبطا سعر النقد في السوق الموازية بدل أن ينهش بعضهم ومَن خلفه من بقايا اليسار المندثر، ما سلُم من صورة رياض سلامة، الحاكم الذي أخذ كل العقبات بصدر صامت، وبقي حريصا على ليرة تحفظ معيشة اللبنانيين ومدخرات العمر، وتضبط التضخم الذي قفز إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. فقرار تحديد الهامش في سوق الصرافة بنحو 30%، هو أفضل الممكن واقعيا، بعدما تهشمت الثقة بالقطاع المصرفي، عمدا وزورا، ليُقال إن المصارف سرقت سيولة الودائع وتصرّفت بها... فيما قرارات الإستدانة كانت بقرار من الحكومات وبقوانين من مجلس النواب، بما أتاح الإستمرار بالإقتراض من الخارج على حساب إصلاحات كانت كفيلة بإستصدار علاجات ناجعة.

لم يعد للحكومة ومن خلفها، متسعا من الوقت إلا للعمل، وهي التي حددت مهلة أسبوعين لبدء المفاوضات مع الدائنين، وهذا يفترض إعداد أجندات زمنية لتحديد سقوف ومراحل إعادة الجدولة. أما الحملات التي تُساق ضد الحاكم والمصارف لن تؤتي المرتجى منها. فأي صورة يمنحها لبنان إلى الخارج إن حطّم صورة سلطة نقدية جدّد لها لنحو ثلاثة عقود؟ وأي إقتصاد سينهض إن فرغت المصارف من مضمونها التشغيلي وعادت مجرد "كونتوارات"؟

فهل تنحو هذه الحكومة إلى مغازلة آخر لصقات الثقة، وتتخلى عما يملك لبنان من أوراق التين؟ للحديث صلة في زمن الفشل بمواجهة أول الإستحقاقات القادمة من إيران: الـ"كورونا"...