آراء / مقالات

12 شباط 2020, 10:34
العربية فاطمة الضاوي
"بركسيت": النهاية أم البداية؟

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أصبح أمراً واقعاً بعد مماطلة ودراما سياسية استمرت ثلاث سنوات. دخلنا الآن في أهم مرحلة انتقالية لتصبح بعدها بريطانيا مستقلة تماماً عن أوروبا وقوانينها.. فماذا ينتظر البريطانيون في حال تم اتفاق أو لم يتم؟ وهل لندن ستفقد بريقها في عالم المال والاستثمار؟

قطعا، المرحلة الأولى من الطلاق ستكون صعبة، فأي تغيير يجلب معه تحديات وعقبات وظروف جديدة يجب التأقلم معها سواء على مستوى غلاء العيشة المؤقت أو قوانين الهجرة أو حركة البضائع والخدمات من وإلى بريطانيا.

الفترة القادمة ستشهد فتح ثلاثة ملفات مهمة من بين الكثير من الملفات، وذلك بهدف إعادة ترتيب أولوياتها وقوانينها.

الملف الأول اجتماعي. وهو مصير المقيمين الأوربيين الذين يفوق عددهم الـ3 ملايين. من المستبعد أن يحدث تغيير كبير هنا. فمن المتوقع تعديل أوضاعهم القانونية لكي يتمكنوا من مزاولة حياتهم بشكل طبيعي، فبريطانيا تنوي الانفتاح أكثر على العالم خلال الفترة القادمة وليس الانغلاق.

ثانيا، علاقة بريطانيا التجارية المعقدة مع الاتحاد الأوروبي.
تفاصيل كثيرة ومعقدة جدا يحملها هذا الملف. فنحن نتحدث عن علاقة أوروبية استمرت لنصف قرن تقريباً. المحادثات مع الجانب الأوروبي لن تكون سهلة أبداً وأوروبا ستبذل ما بوسعها لتعقيد الأمور لعدم تشجيع دول أخرى على التخارج من الاتحاد الأوروبي. الضرر المؤقت سيكون للطرفين. فلا ننسى أن نصف صادرات بريطانيا تذهب للاتحاد الأوروبي ولكن أيضا، الاتحاد الأوروبي يستفيد من الصيد في بحر الشمال البريطاني. وإذا ما أنشئت مناطق حرة هناك، فبلا شك ستنتقل شركات الصيد الأوروبية وغيرها للضفة البريطانية للاستفادة من امتيازات المناطق التجارية الحرة.

في أفضل سيناريو، العلاقة التجارية الجديدة ستكون على الأغلب وفق قوانين منظمة التجارة العالمية. وهذا ما يهدف إليه فريق بوريس جونسون الذي وضع أمامه هدف تحويل 80% من تجارة بريطانيا تحت بنود وقوانين اتفاق التجارة الحرة. هنا التعويل على مدى قوة فريق جونسون في المفاوضات، والتي تبدأ بشكل رسمي منتصف هذا العام وتستمر ستة أشهر.

بريطانيا أيضا تنوي تقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة وكبرى الدول الآسيوية. وهذا يفتح بابا جديدا وفرصة جيدة لتسنّ بريطانيا قوانينها التجارية بدون الرجوع للاتحاد الأوروبي أو الالتزام بقوانينه.

أخيرا وليس آخرا: مصير لندن عاصمة المال والأعمال. والتي تتخذ منها أقوى المصارف في العالم مقرا رئيسيا لها. لندن تصدر نحو 26 مليار جنيه من المنتجات المالية للاتحاد فيما تحصل على قوانينها من بروكسيل جاهزة ضمن اتفاق السوق الموحدة.

خلال السنوات الثلاث الماضية فتحت المصارف العالمية مكاتب ثانوية في بعض المدن الأوروبية لمواجهة أي احتمال طلاق بدون اتفاق ولضمان استمرار أعمالهم بدون تعثر.

ولكن لماذا لم تقم هذه المؤسسات المالية بتحويل مقرها الرئيسي بالكامل لإحدى هذه المدن باريس أو فرانكفورت أو غيرها؟ ولماذا لم تنجح العواصم الأوروبية خلال السنوات الثلاث الماضية من إزالة لندن من لائحة أهم مركز مالي في العالم؟ فالفترة الماضية كانت فرصة ذهبية لكل من باريس وفرانكفورت وغيرها من المدن الأوروبية لدخول لائحة أقوى أسواق المال في العالم. ولكن لم يحصل ذلك ولم يغلق أي مصرف أو مؤسسة مالية فرعها الرئيس في لندن. وهذا يثبت أن لندن أمامها فرصة ذهبية لكي تصبح سنغافورة أوروبا أو أفضل من ذلك. الحديث يزداد حول إقامة عدة مناطق حرة مع إعفاءات ضريبية. موقع بريطانيا الاستراتيجي يساعد وبقوة.

وعلى مستوى الاستثمارات المالية، لندن تظل المدينة المفضلة للمكاتب العائلية الثرية وصناديق إدارة الثروات والتحوط والصيرفة الخاصة. ومن السهل تعزيز مكانة لندن المالية في هذا الاتجاه تحت إطار المزيد من الإعفاءات الضريبية.

الجميع سيراقب التجربة البريطانية في التخلي عن قيود الاتحاد الأوروبي. البداية لن تكون سهلة ولكن بريطانيا لديها مؤهلات عدة تجعل المستقبل يعد بغد أفضل لها، بشرط أن ينجح فريق بوريس في المفاوضات التجارية القادمة.