EXCLUSIVE

11 شباط 2020, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
"غيارى" المال العام؟

اليوم، تخضع حكومة لبنان الجديدة لإمتحان الثقة. فإما أن تعبر على "حافة الثقة" لتبدأ بمحاولة إدارة أزمة غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث، وإما أن تسقط بضربة ثورة 17 تشرين وتتعثر، فيدخل لبنان دائرة الفراغ الحكومي مجددا، وهو على أبواب إستحقاق "يوروبوند" 9 آذار، عنوان الجدل العقيم الدائر يدور هذه الأيام.

اليوم، تحدّد ثورة الشارع حدود التفاعل ما بين السياسة والإقتصاد، إنطلاقا من خطوط حمر باتت ممنوعة على مناورات السياسيين بعد تداخل مزمن أمعن في هزّ الثقة وشوّه سمعة لبنان ونال من صدقيته أمام المجتمع الدولي. والأهم هو ما قطفه السياسيون من ثمار الإقتصاد والمال العام، مغانم ومكاسب ما عادوا قادرين على التخلي عنها، بدليل لجوئهم إلى بدع تكفل إستمرارية صيغ الحكم التي أنتجت منتفعات فاق بعضها ما كان في الحسبان. وهذا ما حفزّهم مرارا على خوض أقسى المواجهات رفضا للتخلي عنها.

اليوم، باتت الطبقة السياسية مجتمعة أمام ساعة الحقيقة، رغم أن الـ"لا ثقة" ستلازم حكومة حسان دياب وإن تجاوزت القطوع. فإما أن تعيد تلك الطبقة لبنان إلى الحاضنة العربية، وهي بيئته الطبيعية، لتعيد كل أشكال التواصل مع أشقاء لم يتخلوا عنه يوما، وما خرجوا إلا "مرغمين" حين سحبوا الثقة ومعها الودائع والمستثمرين والسياح، وإما توافق "ع بياض" على تغيير مشروع الهوية والثقافة والإقتصاد، فتُدفع البلاد نحو المعسكر الإيراني القابع تحت سيف الحصار بالعقوبات الإقتصادية القاتلة للنمو والإزدهار والبحبوحة.

اليوم، تدرك الطبقة السياسية أن قرارها سيكون على مسؤوليتها، لأنها وبعدما كشفتها ثورة 17 تشرين، لن تكون قادرة على التملّص من مواجهة مفاعيل الإتجاه الذي تقود البلاد إليه، ولن تنجح في التهرّب وإتهام "أشباح الفساد" تارة، ومصرف لبنان والمصارف طورا، في مسيرة إمتهنتها منذ زمن وأنتجت هدما لثقة جهد مصرف لبنان طويلا لبنائها وترميمها عند كل هزة وكرمى لشهوات "غيارى" على مال عام سيّبته السلطة بالوراثة. فأين كان هؤلاء كل هذا الزمان؟ 

اليوم، باتت مكشوفة الحملة الممنهجة التي تقضّ مضاجع اللبنانيين وترفع منسوب مخاوفهم ليس على مدخرات العمر فحسب، بل على كل العمر، من خلال التشكيك بمهنية مصرف لبنان وبأداء المصارف التي تتعرض لأبشع موجة من الشائعات التي قد تقضي على سمعتها في المحافل الدولية. في المفارقة أن الحملة على الحاكم سلامة تسير على خطين متوازيين: حملة بدأت في الخفاء وباتت أكثر من علنية، ويقودها "حزب الله" وحلفاؤه إعتراضا على حسن إمتثال سلامة والقطاع المصرفي للعقوبات الأميركية المفروضة على تجفيف المنابع المالية للحزب. وحملة من فوق الطاولة لعدد من المرجعيات الطامحة إلى رئاسة الجمهورية، كون سلامة أحد المرشحين الطبيعيين للرئاسة.

كل إشادة تشدّ العزائم، فتهتاج الحملات التي وجدت منفذا إلى ثورة 17 تشرين، لتطالب بتنحية الحاكم "الوحيد الذي يعمل لمعالجة الازمة في وقت لا يقوم السياسيّون بأي شيء. يطلب حاكم مصرف لبنان صلاحيات إستثنائية لإدارة الإقتصاد، فيما يراقبه المسؤولون ينهار. أمر لا يصدق"، وهو قول للمنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش.

من بعده، جاء تقرير لموقع EU Political Report أمس، ليعتبر أن حاكم مصرف لبنان يتعرض لهجمة سياسية من جانب "حزب الله" وحلفائه لتشويه صورته "لأنه احترم العقوبات الدولية على الحزب، وطبق الأصول القانونية بحذافيرها"، بحسب ما نقل عن صحافي دولي يعمل في لبنان. ويضيف "يقف رياض سلامة، وهو أحد المسؤولين اللبنانيين القلائل الذين يمكن أن يثق بهم المجتمع الدولي، وحيداً في مواجهة هجمة "حزب الله" عليه، فيما تعاني فيه البلاد من إنهيار إقتصادي. الهجوم على سلامة يعتبر دليلاً على أن الحزب يقوّض فرصة لبنان في الانتعاش". واستشهد التقرير بحديث لباحث ومصرفي لصحيفة "فايننشال تايمز" يقول فيه إن "الفضل بنظر المجتمع الدولي يعود لسلامة في ضمان استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي". ويرى أن إداء سلامة وقراراته في الظروف الإقتصادية الصعبة يتميز بـ"الكفاءة والحكمة". الباحث نفسه، عاد ليدخل منظومة المتحاملين على سلامة إنطلاقا من السياسة النقدية التي منحت السياسيين فرصا تاريخية للمعالجة قبل وقوع الإنهيار، وصولا إلى تحميله مسؤولية أي تعثر "كونه صاحب قرار سداد الديون".

ليس خافيا أن لبنان منقسم بين مدافع عن نظرية ضرورة تسديد الديون في موعدها لئلا يتحوّل دولة متعثرة رسميا وقابل حتما لخفض تصنيفه وإدراجه ضمن خانة "الدول المفلسة"، وبين معارض وداع للتخلّف عن السداد تجنبا لاستنزاف الإحتياطي الأجنبي الذي تحوّل قناة وحيدة لتمويل مستوردات البلاد الأساسية، متذرّعين بتجارب كثيرة لدول تخلّفت عن سداد مستحقاتها وأجرت المعالجات الإصلاحية بالتعاون مع المجتمع الدولي. 

بمعزل عن موقف سلامة من الملف، وهو ليس صاحب الكلمة الفصل بل هي مسؤولية الحكومة حصرا وقانونا، وردت إشارات من المجتمع الدولي، كان آخرها دعوة لموقع "ميديا بار" الفرنسي إلى وجوب إلتزام لبنان سداد ديونه في مواعيدها، "وإلا سيجد نفسه أمام أزمة أخطر من أزمة الدولار التي يعاني منها"، محذرا من أن التخلف عن الدفع "سيضع لبنان أمام مسؤولية دفع كافة السندات المتوجبة عليه بأكملها".

بعد إمتحان "الثقة"، على الحكومة حسم أمرها من ملف الديون فورا، كون المهلة الفاصلة باتت أقل من شهر. والأهم، وضع خطة واضحة لإدارة الإستحقاقات المالية لئلا تتكرّر واقعة آذار، لأن القادم من بعده أيار وحزيران...