EXCLUSIVE

07 كانون ثاني 2020, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
الثورة تلتهم أموالها!

لم يمرّ فجر يوم الجمعة عاديا على خريطة العالم. ساعات ضجّت بها الأحداث على أرض العراق، حيث سالت دماء قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني إثر ضربة أميركية، بدأت تردداتها تهزّ إستقرارا دوليا وإن هشّا، وفتحت الباب أمام سيناريوهات خطرة قد تقضي على آمال بعض الدول الحالمة بالقليل من النمو.

فما يؤرق الإقتصاد العالمي، هو خروج الأوضاع عن نطاق السيطرة، إن شنّت الولايات المتحدة هجوما عسكريا شاملا على إيران، أو إن إستهدفت إيران مواقع عسكرية أميركية منتشرة في منطقة النار (الشرق الأوسط) وحتى في أبعد أصقاع الأرض. ووفق توقعات "كابيتال إيكونوميكس" البريطانية، فإن أي حرب أميركية-إيرانية قد تتسبّب بخسارة الإقتصاد العالمي نحو 0.5% من قيمته، بسبب إنهيار الإقتصاد الإيراني الذي قد يؤدي إلى فقدان الإقتصاد العالمي نحو 0.3% من الناتج الإجمالي، أي ما يعادل الخسائر الناجمة عن النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين، فضلا عن إنعكاس إرتفاع أسعار النفط على إقتصادات الدول في ظل توقعات بوصول البرميل إلى مستوى 150 دولارا، إن أصابت التحليلات بإقفال إيران لمضيق هرمز الذي يمرّ عبره ثلث إمدادات النفط العالمية، مما سينعكس على مستويات التضخم في العالم لترتفع بين 3.5 إلى 4%.

إذا، دخل العالم ومعه الإقتصادات والأسواق ومشاعر المستثمرين ورجال المال في دوامة القلق والشعور بالإنكفاء عن المغامرات الإستثمارية، مقابل البحث عن ملاذات آمنة، وفي مقدمها الذهب الذي ارتفعت أسعاره إلى أعلى مستوى في 7 أعوام أمس ليلامس عتبة الـ1575 دولارا، فيما تجاوز البلاديوم مستوى الـ2000 دولار في مستوى قياسي. وتأثراً بمناخات التوتر المرتفعة المنسوب، ارتفعت أسعار النفط 2% أمس، لتواصل مكاسبها وتدفع برنت فوق 70 دولارا.

هي أرقام فورية تعكس حال الفوضى التي دخلها العالم مرغما، ليتحمّل وزر خيار أميركي-إيراني قضى بتصعيد المواجهة المستمرة منذ تخلّى الرئيس دونالد ترامب عن الإتفاق النووي في أيار/مايو 2018، في مسيرة تصاعدت خطواتها تدريجا حتى بلغت الذروة مع حلقات العقوبات الإقتصادية والمالية المتشدّدة.

العواقب أوسع من أن يحدّدها إطار تحليلي في سطور. فالردود لم تتطوّر أفعالا بعد، والمشهد مفتوح على خيارات عديدة أثارت شهية المتوقعّين على سرد حكايات إستنادا إلى حركة الأسواق المالية وأسعار النفط والمعادن الثمينة. الثابت حتى اليوم، هو ما أنبأت به بورصة إيران التي تهاوت السبت الفائت في 5 دقائق على وقع حادث الإغتيال في موازاة تراجعات حادة لبورصات الخليج، لتمتدّ بذلك القراءات المتشائمة من إقتصاد الجمهورية الإسلامية إلى قنوات النفوذ العسكري التي إفتتحها سليماني نفسه عبر تأسيس أذرع عسكرية في لبنان عبر "حزب الله"، وسوريا عبر الوجود الإيراني المباشر، واليمن عبر "الحوثيين"، والعراق عبر "الحشد الشعبي". وفي مقابل تلك الخريطة، فإن المفاعيل على باقي دول المنطقة تعتمد على مدى ارتباط كل منها بالنزاع، علما أن بعضها سيتأثر إيجابا مع تحسّن أداء إقتصاداتها، في مشهد متكرّر لدول الخليج خلال حرب الخليج الأولى.

خريطة النفوذ الإيراني تشمل إذا مناطق تقع في دائرة "الأثر المباشر" لأي تطوّر عسكري ما بين واشنطن وطهران، وهي أيضا خريطة لدول يشوبها الإضطراب الأمني الذي تلفّ رياحه منطقة الشرق الأوسط منذ تفجّر "الربيع العربي" عام 2011، حيث توقفت دورات النمو وتعطلت عجلة الإنتاج الإقتصادي، وتراجعت القيم الحقيقية للعملات الوطنية مقابل إرتفاع معدلات التضخم والبطالة والهجرة، فضلا عن موجات التهجير أو اللجوء.

هل يستطيع لبنان المأزوم الخروج من هذه الدائرة؟

لا شك في أن هناك شبه إستحالة لوقوف التأثيرات عند البوابة اللبنانية الـ"مشرّعة" منذ زمن على الرياح الإيرانية. لذا، فإن ثمة خشية من "الأسوأ" في ظل أسوأ أزمة سياسية وإقتصادية ومالية ونقدية يشهدها لبنان منذ نشوئه، وقد زادت منها "ثورة المظلومين" التي تعطّلت معها دورة إنتاج الثقة التي كان يفترض أن تشكّل أساس بناء الدولة المدنية الحديثة والعادلة.

أما وقد وقع لبنان في براثن الأزمة، فان الحلول الناجعة تبدأ من رأس الهرم لا من القاعدة، حيث ما يتوجب الخروج به من هذه العِبَر الموجعة يقتضي الإنكفاء إلى الداخل أولا، وتحييد البلاد -قدر الإمكان- عن ترددات الزلزال الذي يضرب المنطقة، وخصوصا أن القدرات المحلية للمناعة لا تزال واهنة وتحتاج إلى مجهود لتمكين مكونات العزل والصمود والمواجهة.

لا تقتضي المرحلة بإستمرار العناد السياسي والمكابرة على صوت الشارع الغاضب، لأن ما بعد 17 تشرين أثبت حتى اليوم أنه لن يكون كما قبله. أما تجارب الدول المتعثرة فكثيرة، وبرامج الإنقاذ أكثر، مما يتيح للبنان إستنساخ سبل النهوض الذي لم ينعدم بعد. وعلى الضفة المقابلة، كيف يرتأي مطلقو الشائعات والمحرّضون على السياسات النقدية وعلى شخص حاكم مصرف لبنان والمصارف، أن في وسعهم سوق حملات لا تساهم إلا بتدمير كيان الدولة لا ببنائه؟ وما إتساع حلقات الغضب حيال القطاع المصرفي وتحطيم أجهزة الصرافات الآلية ومهاجمة الفروع، سوى أفضل دليل على حدة الإنزلاق التي ستضرّ المواطن والمودع، وتدفع الثورة لتلتهم أموال أبنائها. وللمصارف سؤال: هل تبتغي العودة "كونتوارات" لتحويل الأموال وليس لإيداعها؟ هل تستحق الأهداف التي من أجلها خاطرت بفقدان الثقة بها؟  

هي حلقات يجب أن تتواصل بإرادة سياسية صلبة قادرة على إنتاج حكومة من أكفياء لمخاطبة المجتمع الدولي من أجل برنامج إنقاذي سريع ينتشل لبنان من تعثّر عقيم.