EXCLUSIVE

09 كانون أول 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
أقصر الطرق إلى الإنقاذ
نجحت مصر في جذب نحو 200 مليار دولار في الأعوام الأربعة الأخيرة بفضل نجاح برنامج السياسات المالية والنقدية في إرساء إستقرار في سوق النقد وتراجع التضخم، فضلا عن إتاحة المجال لمصر إصدار سندات لمدد تصل إلى 40 عاما. هذا ما أعلنه حاكم المركزي المصري طارق عامر أمس. وتستهدف الحكومة وفق وزير المال محمد معيط، نموا بنسبة 6.4% للسنة المالية 2020-2021 بعد نمو بنسبة 5.6% للسنة المالية 2018-2019، وتراجعا في العجز الكلي إلى 6.2%. 
 
لم تلجأ مصر الى صندوق النقد إلا بعد سقوط "الإقتصاد السياسي" في المحظور الإجتماعي منذ إنطلاق "ثورة 25 يناير" (2011) والإطاحة بالرئيس حسني مبارك بعد حكم لـ29 عاما، لمصلحة ترجيح "حكم الإسلاميين" مع إنتخاب محمد مرسي في 30 حزيران/يونيو 2012، وإسقاطه في الشارع بعد عام بالتمام والكمال.
 
إرتأت القاهرة أن تضبط تفشي الفوضى التي هبّت عليها ماليا ونقديا وإجتماعيا وإقتصاديا وسياسيا، بطلب المعونة من صندوق النقد الدولي. وترجمت ذلك إتفاق وقعته مع الصندوق في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار بغية "معالجة نقاط الضعف في الإقتصاد الكلّي وتعزيز النمو الشامل وتكوين فرص العمل". وحدّد البرنامج نقاط الضعف بسعر صرفٍ مبالغ في قيمته (مع ارتفاع مقابل لسعرِ الصرف في السوق السوداء) وشحّ العملات الأجنبية في السوق الذي أدّى إلى تقويض نشاط القطاع الخاص، وانخفاضاً حادّاً في احتياطي العملات الأجنبية، وعجزاً مالياً كبيراً، ومعدلاً مرتفعاً في الدين العام.
 
حتى اليوم، تستفيد مصر تقنيا من البرنامج، لكنها تواجه تحدّيات سياسية خطيرة قد تفضي إلى فشله في "تحويل الإقتصاد" رغم جرعات الدعم التي يتلقاها من تحسّن السياحة وإرتفاع حجم تحويلات العاملين في الخارج وبدء الإنتاج من حقول غاز مكتشفة حديثا. فإنعدام ثقة المستثمرين بحكومة السيسي يتهدّد الإتفاق بين مصر والصندوق. 
 
لبنان على غرار مصر، تشابه في كل جوانب الأزمة ومفاعيلها. من السياسة إلى الإقتصاد، إنفرطت حبات السلسلة، وفاضت المشكلات والتعقيدات، وتعطّلت لغة الإنتاج والتحويل والسحب والتحويلات... الشلّل ضرب عجلة الإنتاج والإستيراد والتوزيع منذ ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر، وليس بفعلها بل بفعل مآل أداء الأحزاب السياسية التي تتمسك بالسلطة على قاعدة المحاصصة وتقاسم المنتفعات، وهي سياسات لا تُقارن بحجم المطلوب لوقف مسار الفساد. خسائر الخزينة في خلال 50 يوما من الثورة، بلغت وفق تقدير بعض خبراء الإقتصاد نحو 400 مليون دولار، والمؤشرات تلوح بما هو أصعب إن بادر الثوار إلى إعلان العصيان المدني، مما يعني وقف دفع الضرائب والرسوم والمتوجبات المالية، الأمر الذي ينذر بالمزيد من التدهور المالي والإقتصادي في الخزينة المنهكة كما في جيوب اللبنانيين.
 
مشهد قاتم دفع لبنان إلى طلب المساعدة لمعالجة أزمة نقص السيولة وتوفير مستلزمات إستيراد الإحتياجات الأساس، عشية إنعقاد "مجموعة الدعم من أجل لبنان" بعد غد الأربعاء. الطلب صدر من رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الأسبوع الماضي، وعبر توجيه رسائل وعلى مراحل، إلى دول أوروبية (ألمانيا، المملكة المتحدة، إسبانيا وفرنسا) وعربية (السعودية ومصر) وتركيا وروسيا. مناشدة الحريري لدعم ما يؤمن استمرارية الأمن الغذائي واستيراد المواد الأولية للإنتاج لمختلف القطاعات، تأتي في ظل تدهور إقتصادي ومالي بفعل تراكم الدين العام إلى 86 مليار دولار، أي ما يعادل 150% من إجمالي الناتج المحلي.
 
مشهد التطورات الإقتصادية يسير في موازاة ما تشهده السياسة من مفاجآت كان يفترض أن تفضي إلى إنفراجات، لا أن تعيد الأمور إلى المربع الأول... فالإستشارات النيابية التي كان يفترض أن تتمّ اليوم، إرجئت إلى الإثنين المقبل مع إنسحاب المرشح سمير الخطيب من السباق الحكومي وإعادة تعويم الرئيس سعد الحريري لتكليفه تشكيل الحكومة الجديدة. إستحقاق يوجب درس مضمون البرنامج الحكومي جيدا لا التلهي بشكلها وتوزّع الحقائب على الأحزاب التي فشلت في إدارة شؤون البلاد، وأوصلته إلى ما بلغه من مآسٍ قابلة للعلاج إن:
1- تمّ إختيار حكومة لا مطامع سياسية لها، تكلّف مهمة إدارة الأزمة بكل تشعباتها، وتضع خططا للإنقاذ الطويل الأمد. كل ذلك يتطلب حكومة من غير سياسيي الأحزاب، أي من الإختصاصيين المستقلين الذين يمكن إختيارهم من لبنان ومن مواقع نجاحاتهم في الخارج.
2- الإتجاه الى طلب مساعدة صندوق النقد الدولي لوضع برنامج إنقاذي يتضمن سلسلة إصلاحات ضرورية، مقابل الحصول على قرض مالي كفيل بضخّ "سيولة فورية" في الأسواق، لتتيح حلحلة التشابك الحاصل الذي قيّد النشاط الداخلي بدءا من "دكانة الحيّ" مرورا بـ"تاجر الجملة" وصولا إلى الشركات المستوردة.
3- إعادة إحياء مؤتمر "سيدر" وبدء تطبيق مندرجاته بعدما طوى اليأس من الإصلاحات كل أمل بوصول الـ11 مليار دولار. 
4- الإفادة من التعميم 536 الصادر عن حاكم مصرف لبنان والقاضي بخفض الفوائد إلى 5%؜ كحد أقصى على الودائع بالدولار الأميركي و8.5% كحد أقصى على الودائع بالليرة اللبنانية، لتنشيط حركة الإقتصاد بعد خفض حجم التكاليف.
 
لا يخشى لبنان إختيار أقصر الطرق إلى الإنقاذ، فهو يدرك أن لا مفرّ من سلوكها، وهي أفضل من السقوط في محظور الإفلاس. لكنه يتهيّب حتى اللحظة، "ساعة التخلي" عما تكتنزه صدور أهل السلطة من مطامع وشهوات غير قابلة للكتمان. لقد دقت ساعة الحقيقة، وقال الثوار علانية ما المطلوب لبلد ما زال يغرق عند أول شتوة، كما عند ثانيها وثالثها!