EXCLUSIVE

01 تشرين ثاني 2019, 10:37
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
اسحبوا بس يللي عايزينو..

ليس مستغربا ولا مستنكرا قلق اللبنانيين على أموالهم المودعة في المصارف. ولا مستبعدا اقدام بعض المودعين على سحب او تحويل الأموال من ليرة الى دولار، او تحويلها الى خارج البلاد. هي خيارات موجودة اليوم، لكن، ماذا إن تهافت جميع اللبنانيين واتخذوا قراراتهم في هذا السياق؟

بفعل موجة أثارت هذا الموضوع على نحو مشكّك، تخوّف بعضهم من "الكابيتال كونترول"، أي وضع قيود (سقوف) على حركة الأموال في أي اتجاه كانت. لكن، وقبل اتخاذ اي من تلك القرارات، يجب ان يعي اللبنانيون ان الازمة النقدية هي نتاج الازمة السياسية التي استفحلت وولّدت الثورة، وليست المسبب لها. وعلى اللبنانيين الا يدفعوا في اتجاه تحميل انفسهم ما يجب ان تتحمله مباشرة السلطة السياسية نتيجة انحرافات فاضحة وقاتلة في أدائها منذ ان تسلمت الأحزاب مقاليد الحكم.

ماذا سيحل نتيجة التهافت على المصارف اليوم او غدا؟
من المؤكد أن مبادرة المودعين الى سحب كل ودائعهم، او تحويلها من الليرة الى الدولار، او تحويل حساباتهم الى خارج لبنان، سيفضي الى خلق طلب هائل على الدولار، أي بما يعني تعريض الليرة الى ضغط مفاجئ "مصطنع" وليس طبيعيا، بما سيكبّد مصرف لبنان المزيد من الخسائر نتيجة ضخّ سيولة لتلبية الطلب، وهذا كله سيرهق النقد الوطني ولن ينفع في وقف الازمة، لان المسببات في مكان آخر: الوضع السياسي أي الحكومة الجديدة وبرنامجها الاقتصادي ومصير الثورة الشعبية.

في هذا الوضع الاستثنائي، تجد المصارف وبالتنسيق مع مصرف لبنان، نفسها مرغمة على وضع حدود لحركة الودائع لديها، لئلا تتسبب بأزمة إضافية لن تقتصر حدودها السلبية على المودعين فحسب، اذ ستطال كل المجتمع كونها ستفضي الى ازمة فوضوية في سوق القطع، وستتيح الباب واسعا للمضاربات التي نشطت قبل شهر، بما سيرفع حتما سعر الدولار مقابل الليرة التي ستفقد تاليا قوتها الشرائية، وتنعكس على الأجور وأسعار السلع والنقل والكلفة التشغيلية لقطاعات الاقتصاد... وهذا ما يدخل لبنان في دوامة جديدة على غرار ما شهده في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات!

صحيح ان لبنان على مفترق طرق، لكن تقديم التضحيات التي بدأت في الشارع منذ اسبوعين، يجب الا يتوقف بعدما اثبت الثوار عن وعي وطني واستفاقة للقومية اللبنانية وحدها. هذا ما فعلته شعوب عديدة مرت بازمات اقتصادية ومالية ومصرفية، ومنها قبرص وإيطاليا على سبيل المثال، حين ترجمت شعوبها قومياتهم الوطنية من خلال التضامن لوقف النزف النقدي وإيجاد سبيل للخلاص.

ففي قبرص وغداة ازمة المال العالمية في الـ2009، وقف القبارصة أسبوعا واحدا فقط امام مصارفهم بهدف الحفاظ على مدخراتهم خوفا من مصير يلحق بلادهم بما عانته اليونان. لكنهم عادوا وامتنعوا دعما لليورو، وساهموا الى جانب السلطة في اخراج قبرص من الازمة بعد 5 سنوات، رغم ان الحكومة لجأت الى HairCut (اقتطاع أقل من 50% من ودائع تفوق الـ100 الف دولار دعما لليورو)، واستغنوا بذلك عن برنامج المساعدات المالية من الاتحاد الاوروبي في منتصف الطريق. وكذلك فعل الايطاليون حين اهتزت مصارفهم نتيجة الازمة السياسية التي افضت الى تغيير حكومي فتح امامهم المزيد من فرص الإنقاذ.

يمرّ لبنان اليوم بسلسلة أزمات يبدأ حلها من رأس السلطة السياسية لا من الهرم الشعبي. التغيير الحكومي المرتقب يبشّر بطاقات فرج إن اصغت السلطة الى مطالب الثورة، وجاءت بالاكفياء والنزهاء الى حكومة تكنوقراط من مستقلين ومتخصصين بالشأن الاقتصادي والمالي. أبواب المصارف ستبقى مفتوحة إن استبب الوضع في الشارع، اسوة بما كانت تفعله في سنوات الازمات السابقة. لذلك، لا داعي للخوف والهلع، ولا مسبب للهجمة والتهجم على القطاع المصرفي او مصرف لبنان، والثقة اليوم هي عامل الأمان والضمانة للمستقبل. فالحاكم رياض سلامة باق اليوم، كما خَبِرَه اللبنانيون منذ 25 عاما، حارسا امينا لليرة، ولن يفرّط فيها. وما الهجمة عليه الا بخلفيات سياسية تتوسع مروحتها بحسب قاعدة المستفيدين من فتح معركة الرئاسة قبل اوانها بثلاث سنوات. 

"اسحبوا بس يللي عايزينو.. اقتصادنا مسؤوليتنا"، هو الشعار الذي يجب ان يطبقه اللبنانيون حفاظا على المستقبل.