EXCLUSIVE

28 تشرين أول 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
إسألوا مهاتير محمد...
"لبنان ينتفض"، شعار إقتحم الشوارع وخطابات أهل الثورة. ضجّت الهواجس في قلب القلق، فقطعت شعرة الثقة التي كانت تربط القاعدة بالرأس. والسبب، سقطة السلطة السياسية في قبضة المطامع ومضيها في تقاسم ثروات البلاد ومقدّراتها من دون حسيب او رقيب... أو هكذا كانوا يعتقدون!
 
لم يكلّ الشارع اللبناني على مدى 11 يوما، عن إعلان رفضه لكل فساد راجت روائحه كريهة من صفقات وسياسات ما عادت تكتفي بما نهلته من جيب الفقير. صمّت السلطة السياسية آذانها، رغم أن الأصداء بلغت المغتربات. لم تنفع خطة رئيس الحكومة سعد الحريري لإصلاحات إقتصادية، بعد موازنة الصفر في المئة واللاضرائب. ولم يبدو رئيس الجمهورية ميشال عون حازما بما يلاقي آمال اللبنانيين على "العهد القوي". صمت مطبق من أحزاب لم تكن تكلّ حراكا وتصريحا. وحده "حزب الله" نزل الى الشارع، لكن رفضا لتلويث اسم أمينه العام بتهمة الفساد.
 
على مدى 11 يوما، غصّت بيروت والمناطق العاصية، بمراسلي الصحافة المحلية والعالمية ترقبا لحراك ثورة لم تخرج حتى الآن عن مسارها الطبيعي. فهي متماسكة في وجه سلطة إنتخبتها نسبة 49% من اللبنانيين، وفرضت عليها لمرة أولى، أن تسمعها رفضا صارخا لكل سياسات الإفقار والتجويع والتلويث والإصلاح الموعود منذ عقود!
 
من الصحافة العالمية، عناوين كثيرة وتحليلات سياسية تربط المحلي بالإقليمي والدولي، وتتوقع سقطات في محظور أو تسويات غير متاحة إلا في علم السياسة، لأن في عالم الاقتصاد، الحاجة إلى أكثر من جهد ومسعى لترميم ما تهدّم وتشوّه من سمعة وصدقية وثقة.
 
رغم إنشغال اللبنانيين بالثورة، بقي بالهم على ما ستحمله الأيام المقبلة من جديد حكاية الليرة والدولار، ورواتب القطاع الخاص بعدما إستكان موظفو القطاع العام الى آليات تكفل توطين رواتبهم في أجهزة الصراف الآلية. الجميع يسأل عن مصير الليرة وقيمتها الحقيقية، في ظل اضطراب العوامل المطمئنة، وأولها إستقرار تفتقر إليه الأفق الداخلية رغم محاولات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الدؤوبة لضبط هجمة ممنهجة تُشنّ منذ أكثر من عام، وتستهدف: 
1- موقع الحاكمية بغرض التغيير. وهذا قد يكون أمرا محقا إن أرادت الحكومة تعيين مَن ترتأيه خلفا أفضل، بدل أن يحاول "مَن عانوا من قراراتي، جرّي الآن باتهامات الفساد. وكل ما أقوله هو أنني وضعت آلية للتحقيق ومواجهة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب ولم أتنازل عن ذلك"، هكذا قال سلامة لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.
2- الليرة المحكومة بضوابط سياسة التثبيت التي اعتمدها سلامة بغطاء سياسي متجدّد على مدى الحكومات المتعاقبة، بغرض حماية القدرة الشرائية للبنانيين ومكافحة التضخم والغلاء وتمتين القدرة على جذب العملات الأجنبية الى البلاد.
 
لا شك في أن "التعامل مع إقتصاد يقوم على الدولار أمر ليس سهلا، حيث نسبة 73.5% من الأرصدة هي من العملة الأجنبية، والعجز في الميزانية مرتفع، وحماية العملة المحلية معركة يومية"، يقول سلامة.
 
يقلق اللبنانيون، ومعهم سلامة، على الغد بعدما باتت البلاد في حاجة إلى صدمة. فأيٌ منها سيسبق: الإيجابي أم السلبي؟ وهل مَن سيعمل لإستعادة الثقة التي فُقدت...
 
قال سلامة ردا على سؤال إن كان سيستقيل: "إذا كان ذلك سيخدم البلد، لكنني أعتقد أنه سيترك أثرا عكسيا في ما يتعلق بثقة الأسواق. لو كنت أنا المشكلة، فاعتبرها محلولة. لكن التعبئة وجعل المال ورأس المال هو العدو لا يدفعان للأمام، ونريد بناء دولة وإقتصاد نام".
 
قد تبدو المشكلة الداخلية أكبر من حجمها. فالإرتباط الوثيق ما بين "حزب الله" وإيران يشكل وفق مجلة "فورين بوليسي"، أحد أوجه الثورة التي شهدت للمرة الأولى إنقلاب بعض من شيعة لبنان ضده. فـ"إيران، منحت وكلائها في لبنان كما العراق، السلطة من خلال التمويل والأسلحة، وساعدتهم على التسلل إلى مؤسسات الدولة، حيث بات لديهم وظيفة واحدة: حماية المصالح الإيرانية بدل حماية الناس وخدمتهم".
 
وترى في المسببات، 3 عوامل:
"أولاً، إن تورط "حزب الله" المكلف في الحرب السورية وضغط العقوبات الأميركية على إيران، أرغم الحزب على خفض الرواتب والخدمات، مما أدى إلى توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل مجتمعه. وأيضا، قام الحزب بتجنيد أغلبية الشيعة الفقراء للقتال في سوريا، بينما أستفاد مسؤولوه من ثروات الحرب، مما أثار الكثير من الإستياء.
 
ثانياً، إضطر "حزب الله" قبول حليفه نبيه بري كرئيس للبرلمان للحفاظ على الإئتلاف الشيعي. رغم أن فساد بري يتعارض مع رواية الحزب للشفافية والنزاهة، غضّ الطرف طوال عقود. لكن عندما بدأ تدهور الإقتصاد وتضرّرت أموال الحزب، عجز الكثير من الشيعة عن دفع فواتيرهم. 
 
ثالثًا، ركز "حزب الله" بشدة على القوة العسكرية. راجت تلك الرواية بعد انسحاب إسرائيل من لبنان في 2000، ثم بعد حرب تموز 2006، كما أعلن إنتصاره في سوريا ضد "التطرف السني". مع ذلك، فشل في ترجمة تلك الإنتصارات رفاهية لمجتمعه. قد تكون إيران استفادت، لكن شيعة لبنان باتوا في عزلة".
 
ماليزيا، نموذج التطوّر والنهضة الاقتصادية، وقعت في براثن الفساد ما إن خرج مهندس النهضة من الحكم بداية الألفية الثانية. قاومت وقاضت المتورطين، وأتاحت للتسعيني أن يعود مجددا إلى رئاسة الحكومة طمعا منها بإعادة أحد "نمور" جنوب شرقي آسيا إلى النهوض، بعد مسيرة إصلاحات قادها في فترة حكمه الأولى (بين 1981 و2003). 
 
إن أردتم الإصلاحات سبيلا للخلاص... إسألوا مهاتير محمد!