EXCLUSIVE

21 تشرين أول 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
عقود من الخيارات السيئة!

على وقع هتافات الشارع الغاضب، يقول رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري اليوم كلمته الحاسمة: فإما الإصلاح الحقيقي الذي يترجم الخطط واقعا جديدا يُنهض الإقتصاد من كبوة تسبّبت بأزمات معيشية وإجتماعية، وإما الإستقالة وإتاحة المجال لخيارات حكم جديد يسارع إلى ردم هوة الثقة التي كبُرت وتفجّرت إحتجاجات عمّت البلاد في نهاية الأسبوع.

اليوم، ينعقد مجلس الوزراء كما أعلن الحريري، لتبيان نيات أحزاب لا تزال تشارك في الحكومة بعد إستقالة "القوات اللبنانية"، من حزمة قرارات إصلاحية جديدة، قيل أمس إن الحريري إتفق مع "شركائه" عليها بغية تخفيف حدة الأزمة الإقتصادية التي دفعت نحو مليون و700 ألف لبناني إلى الشارع أمس. 

في مقابل خلوّها من أي ضرائب ورسوم وصفر عجزا، تتضمن القرارات "خفض رواتب الرؤساء والوزراء والنواب الحاليين والسابقين بنسبة 50%، ومساهمة مصرف لبنان والمصارف بنحو 5 آلاف مليار ليرة (3.3 مليار دولار)، فضلا عن خطة لخصخصة قطاع الاتصالات وإصلاح شامل لقطاع الكهرباء، وهو مطلب متشدد من المانحين الدوليين في مؤتمر "سيدر" للإفراج عن الـ11 مليار دولار، بحسب وكالة "رويترز".

لكن، هل فعلا تمّ "إتفاق الشركاء" في الحكومة؟ وعلام إتفقوا إن كان زعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط أعلن مساء رفض حزبه للورقة الإقتصادية، وأكد "أن وزراءه لا يمكن أن يبقوا في الحكومة بوجود وزير الخارجية جبران باسيل"؟ وهل نجح الحريري في إقناع المحتجين في الساحات على "سلطة التجويع" أن الحكومة قادرة على الإلتزام بوعودها هذه المرة؟ ومَن يكفل للبنانيين حسن أداء سلطة يطالبون برحيلها وبإسقاط النظام؟

تسابق حاد سُجّل ليلا على خط الأحداث والإتصالات والمواقف قبل إنقضاء مهلة الـ72 ساعة التي منحها الحريري لنفسه. في الشارع، بقي الغليان وزاد أكثر مع تقدم ساعات الليل والصباح. وفي مطار بيروت، زادت أعداد المغادرين، وتردّد أن 132 سعوديا غادروا أمس فضلا عن مئات السياح العرب والأجانب كانت تغصّ بهم فنادق العاصمة والجوار. من الخارج، كان لافتا موقف "المسؤول" في الخارجية الأميركية لقناة "العربية"، حين تحدث عن "إحباط الشعب اللبناني الذي ندعم حقه في التظاهر السلمي، بسبب عجز حكومته عن إعطاء الأولوية للإصلاح، رغم أنه يمكن أن يفتح الأبواب أمام دعم دولي بمليارات الدولارات، وهذا أمر يعود للبنانيين". وأكثر، إستوقفته عقود من الخيارات السيئة "وضعت لبنان على حافة الإنهيار الإقتصادي، ونأمل أن تدفع هذه التظاهرات بيروت للتحرك نحو الإصلاح الإقتصادي".

وأيضا من واشنطن التي إحتضنت هواجس المصرفيين اللبنانيين من جديد العقوبات على "حزب الله"، موقف حكيم لجمعية المصارف بالإقفال اليوم "على أمل أن تستتب الأوضاع العامة سريعاً في ضوء المساعي التي تبذلها السلطات لإشاعة الطمأنينة والإستقرار ولإستئناف الحياة الطبيعية في البلاد". قرار جيد يصبّ في خانة ضبط عمليات السحب والتحويلات من الليرة الى الدولار، والتحويلات من الداخل الى الخارج، حفاظا على الليرة اللبنانية في ظل موجة الإرتدادات التي خلفها انعدام الثقة ما بين السلطة والشعب. أما التداول، وإن وُجد اليوم، فسيقتصر على السوق السوداء وحدها، وسيكون محدودا لضيق قنوات توريد الورقة الخضراء. 

"في أوقات الأزمات، كان الإستقرار الإقتصادي في لبنان يعتمد عادةً على حكمة حاكم مصرف لبنان الذي تمّ تكريمه أكثر من مرة كأفضل حاكم على الصعيدين العالمي والإقليمي. لكن يبدو أنه يمتلك الآن قوة دفاعية محدودة لمنع اإاقتصاد من الخروج عن المسار بالكامل". هذا ما أوردته مجلة "ذا ناشيونال" الإماراتية في متن مقال بعنوان "مصرفيو لبنان يتناولون ثمار البحر في حفل الإستقبال في واشنطن، بينما يواجه لبنان ساعة الحسم".

ونقلت الصحيفة عن الوزير اللبناني الأسبق جهاد أزعور، الذي يشغل حاليا منصب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، "أن لبنان لم يطلب بعد حزمة مساعدات أو برنامج الصندوق الإنقاذي". وغالبا ما يتمّ تشويه صورة برامج التقشف التي يوصي بها الصندوق. فهي تختلف من بلد إلى آخر، "ولكن يمكن أن تشمل فرض أو زيادة الضرائب الحالية، وإلغاء المساعدات، وخفض قيمة العملة أو تعويمها وخفض النفقات بهدف تنشيط النمو وتضييق العجز"، وفق الصحيفة.

ثمة أضرار جانبية لبرامج الصندوق. ففي مقابل خطط المساعدات المالية والتكيّف الهيكلي للحصول على التمويل، تفضي الى رفع معدلات البطالة والفقر. "ومن المحتمل جدًا أن تتمّ معارضة أي برنامج قد يشترك فيه لبنان مع الصندوق، في الداخل".

لبنان ليس اليونان، صحيح. لكن الآثار الجانبية حلّت ضيفة ثقيلة مع الإصلاحات أو من دونها، مع برنامج صندوق النقد أو من دونه. أضرار بالجملة وزّعتها السلطة مجانا حين تعثّرت في تجاوز الكثير من الإستحقاقات، وحين عجزت عن إحداث صدمة إيجابية لإسترداد ثقة باتت مترهلة، وحين إعتقدت أن مجتمع المانحين لن يلاحقها هذه المرة لإيفاء وعودها. أخطأت السلطة حين غلّبت منطق المناكفات والكيديات على منطق تصويب إختلالات المالية العامة وعجوزات الميزانين (الميزان التجاري وميزان المدفوعات). أخطأت السلطة حين اعتقدت أنها قادرة على إبقاء قطاع الكهرباء مسربا للمنافع والصفقات الموزّعة بالتساوي ما بين مافيات أنشات قطاعا رديفا غير شرعي. أخطأت السلطة حين تمادت في تكبير حجم القطاع العام من دون التركيز على إنتاجيته، وغالت حين منحت سلسلة رتب رتّبت كلفة متنامية باضطراد من دون درس آثارها المالية والإقتصادية.

ماذا بعد؟ اليوم، موعد الحساب. على أنغام الغضب في الشارع، سيقول الرئيس الحريري كلمته... وعسى ألا يمشي لبنان!