آراء / مقالات

09 أيلول 2019, 08:46
صحيفة نداء الوطن سامي نادر
شكراً بيار دوكان

من حسنات مؤتمر "سيدر" والدينامية التي أطلقها، ليس فقط أنه سلط الضوء على الإصلاحات وجعلها شرطاً مسبقاً لأي مساعدة مالية أو قرضاً ميسراً، إنما أيضاً لكونه أضفى أخيراً منسوباً من الواقعية طال انتظارها في المقاربات الإقتصادية والمالية، وبالتالي قطع الطرق على كل محاولات طمس الحقائق و"الطمأنة" التي كانت سمة المرحلة السابقة . 

ومن إيجابيات الحركة المكوكية للموفد الفرنسي بيار دوكان أنه وضع إصبعه على الجرح، وقال بموضوعية المراقب الخارجي والشريك الحريص على مساعدة لبنان وفق معايير الحوكمة الرشيدة ما يجب أن تكون عليه أولويات المرحلة. فمن الصعب بمكان إتهام الموفد الفرنسي بالتهويل أو بـ"صناعة اليأس" أو بأجندات سياسية داخلية، وسائر التهم التي كانت تلقى جزافاً على إقتصاديين (من خارج البلاط) وناشطين في الحقل العام طالما دقوا ناقوس الخطر لجهة الطريقة التي يدار فيها الملف الإقتصادي.

ولا شك أن تقارير وكالات التصنيف وبياناتها في الفترة الأخيرة أتت لتكرس هذه المقاربة الواقعية فوضعت الجميع في مواجهة حقائق الأرقام على مرارتها. ورب قائل أن بداية الخروج من الأزمة تكمن في مواجهة الحقائق كما هي ومعالجتها بالإصلاحات الهيكلية وليس القفز فوقها بالتمنيات أو ما يعرف بسياسات النعامة. وقد تكون باكورة قول الحقائق كما هي من قبل صانعي القرار ما سمي بـ"ورقة بعبدا" الإصلاحية.

نجحت هذه الورقة نصف نجاح في امتحان الواقعية، فأتى تشخيصها دقيقاً لجهة غياب النمو، وتوقعات الركود للسنة المقبلة، وتراكم العجز والدين العام، خاصة لجهة تركيزها على التفاقم الخطير لميزان المدفوعات الذي يشكل ضغطاً كبيراً على الإستقرار النقدي وسعر صرف الليرة. لم تغفل ورقة بعبدا أياً من المؤشرات السلبية التي تكلم عنها دوكان كما أبلت بلاء حسناً في مرافعتها ضد الإقتصاد الريعي.

لكنها سقطت في امتحان الدقة والتفصيل لجهة الإصلاحات وآليات تنفيذها. طرحت عناوين إصلاحية عريضة من دون الخوض في تفاصيل تنفيذها كمثل تلك المتعلقة بتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتغييب إصلاحات أساسية لبنان مطالب بها من قبل المجتمع الدولي كتلك المتعلقة بتشكيل الهيئات الناظمة للقطاعات لا سيما قطاعي الكهرباء والإتصالات.

لكن الدقة والتفاصيل لم تغب عن سلة الضرائب التي بدت وكأنها معدة سلفاً علماً أنها لن تعالج في الأزمة شيئاً لا بل على العكس سوف تسرّع إنفجار القنبلة الإجتماعية. تبدو الضرائب كما لو أنها "الإصلاح" الوحيد في متناول هذه السلطة ؛ وكأن هذه الأخيرة عاجزة عن القيام بالمطلوب، والمطلوب أولاً: حصر النفقات الحكومية، هي عاجزة حتى عن النطق به، لكن دوكان قالها: حصر النفقات أولاً. شكراً دوكان.