EXCLUSIVE

03 أيلول 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
الحلول موجودة... ولكن النيات!

جيد أن تجمع السلطة في لبنان أهلها وناسها على وقع طبول التوتر العسكري جنوبا، لتعلن حال طوارئ إقتصادية تتيح لها إعتماد حلول "غير شعبية" لمعالجة إختلالات إقتصادية ومالية تكاد تنذر بإنهيار بعد ركود، زادته التشابكات الأخيرة تعقيدا مع رفع سقف العقوبات الأميركية على مصادر تمويل "حزب الله"، بإستهداف "جمال تراست بنك"، أحد المصارف اللبنانية الصغرى، وبالتوتير الحدودي ما بين الحزب وإسرائيل. 

جيد أن يبادر رئيس العهد إلى الإستعانة بخبراء الإقتصاد لرسم خريطة طريق، يفترض أن تكون الأقصر والأنجع إلى قلب المعالجات، قبل أن يعرضها على الأفرقاء المتناحرين سياسيا والمتفقين على أن الحل هو بسلة أعباء، يصحّ توصيف مسبباتها بـ"سوء الأداء السياسي"، وهذا ما لحظته بأهمية كبرى، مؤسسات التصنيف الإئتماني لدى تقييمها وضعية لبنان قبل أن تخفّض تصنيفه إلى مرتبة CCC.

جيد أن يهرول أهل السلطة السياسية إلى قصر بعبدا أمس، وهم الذين لا تزال تشغل بالهم، قواعدهم الشعبية رغم بُعد الإستحقاق الإنتخابي زمنيا، لفلفشة إقتراحات فريق الخبراء بحثا في ما تمت تسميته "إجراءات إصلاحية أولية لمواجهة الأزمة"، علما أن المعالجات الجذرية يجب أن تبقى في البال، وإن تحرّرت مليارات "سيدر" من أسرها، وغاصت في مشاريع تأهيل البنى التحتية المترهلة..

يقول أحد الخبراء الإقتصاديين الذين ساهموا في وضع ورقة حوار بعبدا الاقتصادي، أن الأهم في الطرح الذي أُعدّ بعد إجتماعات مطوّلة، وضع معادلتين مهمتين لا يجوز بعدها الخلط في معادلة العجوزات. "فالأهم والملح، هو معالجة عجز ميزان المدفوعات وعجز الحساب الجاري رغم أن "أب المشاكل" هو العجز المالي. ويفترض التوصل إلى تحقيق توازن بين كل تلك العجوزات، حفاظا على الليرة وحرصا على توزيع "الآلام"، أي الأكلاف".

لكن، ما تمّ تسريبه في الأسبوع الماضي عن ورقة الإقتراحات، هو ضرائب بالجملة ستثقل كاهل المجتمع، لتتأثر تحديدا، الفئات الأكثر فقرا وذوي الدخل المحدود، في مقابل تغييب التركيز على إصلاحات مطلوبة في جانب وقف الهدر والسرقات والسمسرات. 

وهذا ما يعيه تماما فريق الخبراء الذي يشدّد على أن هذه إقتراحات لحلول أولية للأزمة "وليست هي الحلّ النهائي لها"، ويرى في ما تسرّب من مضمون الورقة "تجنٍ" على الطروحات التي رُفعت إلى حوار بعبدا. وفي السياق، يؤكد الخبير الإقتصادي أنه تمّ التطرق إلى مزاريب الهدر، "حيث الأهم، هو قانون المشتريات العامة الذي يوفر نحو 500 مليون دولار في السنة. وقد خُصصت له خطة كبيرة يتولى وضعها متخصصون من "معهد باسل فليحان المالي والإقتصادي" والبنك الدولي ومنظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD والوكالة الفرنسية للتنمية AFD. ويفترض أن تنتهي تلك المؤسسات من إنجاز الخطة بتاريخ 1/1/2020، بما يحقق وفرا أقله بملياري دولار. وهذا ما يساهم بحصر أبواب الهدر والفساد داخل المؤسسات العامة".

وليس مستغربا أن تتركز ورقة الخبراء على ملف الكهرباء، وهو مركز الثقل في العلاجات الإصلاحية المطلوبة بسرعة من مجتمع المانحين في "سيدر"، نظرا إلى حجم توسع الأزمة وتعمقها. ويقول الخبير إن للبنان نظرة خاطئة حيال مشكلة الكهرباء، "وخصوصا لجهة الحجم الحقيقي للخسارة السنوية التي تتحملها الخزينة العامة، وهو بمقدار 1.3 مليار دولار وليس 1.7 مليارا كما هو معلن. وإن لجأت الحكومة إلى الإستيراد على قاعدة "من دولة إلى دولة"، ستتمكن من قطع الطريق على السمسرات التي يتوزّعها المستوردون المحليون والخارجيون. لقد طلبنا فتح مناقصة في الأسواق العالمية، أي أن يتمّ إستدراج عروض الشركات الكبرى من خلال صحف عالمية، بما يحقق شفافية أكثر ووفرا ماليا أكبر".

الهمّ الأساس هو تخفيف الأعباء المالية عن الخزينة العامة. أمر جيد أن يبادر رأس السلطة في لبنان إلى الإستعانة بأهل البيت من أجل إعداد لائحة الإصلاحات المطلوبة. وجيد أيضا، أن يعلن لبنان "حال الطوارئ الإقتصادية" وإطلاق الوعود بمتابعات عبر مجلس الوزراء وأيضا عبر لجان متخصصة لضمان حسن الإلتزام. لكن، تبقى العبرة في التنفيذ وعدم التفلت من بعض بنود الورقة الإصلاحية التي لن يكون في مقدور الإقتصاد الوطني تحمّل تبعاتها، وخصوصا بعد إنذار المجتمع الدولي الذي ترجمته الوكالات الإئتمانية بخفض تصنيف لبنان.

العبرة في التنفيذ، وتجارب الماضي القريب أفضل شاهد على الإخلال بالوعود والإلتزامات التي قطعها مَن كانوا هم الداء، وليس بالضرورة أن يكونوا هم الدواء الشافي. فريق الخبراء وضع ما يراه مناسبا في سلة العلاجات اللازمة، وما ينقص سوى قرار سياسي صريح، يقي لبنان شرّ السقوط في المحظور الإقتصادي بعدما باتت حلقات الأمن متفلتة مع توعّد "حزب الله" بردّ ثان على الردّ الإسرائيلي، بما بات كفيلا بتطفيش الرساميل والإستثمارات الباحثة عن ملاذات توظيفية آمنة ومجدية. 

بالأمس، وقف أهل السلطة أمام الإستحقاق، رغم أن شروط الإنقاذ معروفة من القاصي والداني، وهي للباحثين والمهتمين فعلا في زمن الضغوط والعقوبات والإهتزاز الأمني، موجودة في هواجس المواطنين ومخاوفهم القلقة من الغد، ولا تحتاج تاليا إلى براءات إختراع... بل إلى ترجمة النوايا السياسية إفعالا صالحة من أجل الحفاظ على مجتمع منتج، يوشك أن يتحوّل إلى مجتمع كهلة وأطفال نتيجة هجرة الشباب، وهم الدماغ المحرك وثروة لبنان. وكيف لعجلة النمو أن تنتعش إن فقد الإقتصاد أدمغته وثرواته وعناصره الشبابية المنتجة؟

الحلول موجودة وكثيرة، ولكن بعد فُقدان الثقة... تبقى النيات "مع وقف التنفيذ"!