EXCLUSIVE

26 آب 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
المهمة صعبة وليست مستحيلة...

لم تكن نهاية الأسبوع عادية في لبنان كما في المنطقة المجاورة. فالمناخ الأمني الذي استكان طويلا وإن بتقطع، عاد الى الإضطراب على نحو مقلق: غارة إسرائيلية مباغتة على سوريا، ووقوع طائرتين إسرائيليتين في أسر الضاحية الجنوبية. وما الهجمات الكلامية التي إشتعلت على خط نصرالله - نتنياهو، إلا ترجمة لأوضاع قد تقلب مؤشرات البلاد الى "أحمر"، لكنه يبقى قابلا للتحوّل إلى "أخضر"، إن قرّر أهل السلطة الخروج من بوتقة الإرتهان إلى خارج متقلب على نار نووية مدمرة.

في نهاية الأسبوع، مُنح لبنان فترة سماح جديدة لا تتسع أطرها لأكثر من ستة أشهر، وهي المرحلة التي يفترض أن تعزز فيها الحكومة هوية الحكم القائم على مناخ سياسي مستقر ومتين، وقادر على نقل عدواه الإيجابية الى مناخ أمني هشّ وغير محصّن، ومنه إلى واقع إقتصادي كادت تنال منه قرارات خفض التصنيف السيادي.

صحيح أن "ستاندرد أند بورز" أبقت تصنيف لبنان عند درجة -B، متيحة له شدّ أحزمة الإنفاق القائم منذ زمن طويل على قواعد متفلتة تتيح هدر المال العام وتنهك الخزينة بصرف غير مدروس في زمانه ومكانه، الا أن إصرار "فيتش" على خفض التصنيف الى درجة CCC في خطوة سبقتها اليها "موديز"، يجعل من لبنان متأرجحا ما بين نارين مع ميل للإنزلاق نحو فئة الدول العاجزة عن سداد مستحقاتها المالية. وفي هذا الموقع، تكاليف ضخمة ستترتب على بلاد تعاني أساسا من إنحرافات في سياسات معالجة الإختلالات التي بدأت في عجوزات المالية العامة والمديونية المتنامية وكلفتها المكلفة، وتمدّدت الى عجلة الإنتاج والإستهلاك، ووصلت الى القيم والأصول والأوراق المالية والإصدارات الحكومية.

صحيح أن لبنان تجاوز قطوع صدمة التصنيف، لكنه لم يحرز إنتصارا أو نصرا، طالما أبقت وكالتان من أصل ثلاث أكبر وكالات تصنيف إئتماني في العالم، لبنان في فئة C، وهو بات مطالبا اليوم أكثر من ذي قبل، بتعديل سياساته الاقتصادية والمالية واتخاذ إجراءات تصبّ حتما كما يفترض، في خدمة الشعب لا في مصلحة الأولياء عليه زورا وتسلطا. 

صحيح أن السوق المالية إستوعبت صدمة التصنيف التي تزامنت مع نهاية الأسبوع، وهي ستؤكد اليوم تلقفها الطوعي حماية لليرة ما عادت تكتفي بحصانة مصرف لبنان، وباتت متعطشة الى مناخات سياسية داعمة وقادرة على تخفيف ما تتعرّض له من ضغوط، فتحت باب المضاربات على غارب رغبات صرافين يحاولون التفلّت من قيود سياسة الإستقرار النقدي التي أنقذت الاقتصاد، بفضل البنك المركزي "الذي يؤدي دورا جوهريًا في توجيه سياسات الاقتصاد الكلي والسياسة المالية ويساعد في تمويل عجز الموازنة"، وفق ما ورد في تقرير "ستاندرد آند بورز". ولم تستبعد الوكالة التي تحافظ على "توقعات سلبية"، أن يواجه لبنان ضغوطًا متزايدة للحفاظ على مستويات كافية من احتياطات العملات الأجنبية إذا كان يريد الحفاظ على الثقة بإستقرار سعر الصرف، "وهو سيستخدم كافة الأدوات المتاحة لدعم النظام المصرفي وضمان الإستقرار المالي في حال حدوث ضائقة أو مفاجئة تتعلق برساميل المصارف". 

العلة تكمن في الثقة التي تراجعت لدى المستثمرين في لبنان، كما يتضح من صافي تدفقات الودائع الى الخارج على أساس سنوي وتراجع احتياطات النقد الأجنبي في النصف الأول من 2019، "ويُرجح أن يظل المودعون غير المقيمين والمستثمرين الأجانب حذرين، إن عجزت الحكومة عن التغلب على الإختلافات السياسية وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية لتقليل الفجوة الكبيرة في الموازنة وتحسين النشاط التجاري"، وفق التقرير. وتوقع كذلك استمرار انخفاض احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، "لكنها تظل كافية لتمويل متطلبات الاقتراض الحكومية والعجز الخارجي للبلاد خلال الـ12 شهرا المقبلة".

تحسين نظرة وكالات التصنيف الى لبنان غير مستحيلة. فهي تحتاج فقط الى تأكيد قدرة الحكومة اللبنانية على تحسين ثقة المستثمرين الأجانب بشكل ملحوظ من خلال اتخاذ خطوات موثوقة لتنفيذ خطط الإصلاح المالي وخطط إصلاح قطاع الكهرباء في الأمد المتوسط.

مهمة الحكومة "صعبة" في الأشهر الستة المقبلة، إذ عليها تنفيذ التدابير المعلنة لمعالجة القضايا المالية والاقتصادية. لكن، ونظرا الى ضعف تدفقات العملات الأجنبية التي يعتمد عليها الاقتصاد، "قد تحرز الحكومة بعض التقدم في الإصلاحات على المدى القصير لتحسين ثقة المستثمرين". فمن أين تبدأ؟

هل تعلم السلطة ان المديونية العامة النابعة جزئيا من ضعف المؤسسات والخلافات السياسية، هي رابع أعلى معدل بين الدول السيادية التي تصنفها "ستاندرد آند بورز"، بعد فنزويلا واليونان واليابان؟ وهل تعلم ان العجز العام سيبلغ 10% من الناتج المحلي في 2019 مقارنة بـ7.6% وفق قانون الموازنة؟ ومع ذلك، يتوقع تضييق العجز المالي تدريجياً حتى الـ2022، رغم أنه لن يكون كافياً لعكس الارتفاع في مستويات الدين الحكومي.

توقعات "ستاندرد آند بورز" كثيرة في هذا الصدد. فنتيجة لحاجات لبنان التمويلية الكبيرة، تتوقع ارتفاع الدين العام إلى 157% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2022 من نحو 140% في 2018. وأيضا تتوقع أن تظل المخاطر الأمنية الخارجية عالية. "لقد خفت حدة الصراع السوري، لكنه لم ينتهِ بعد. ونتوقع أن تظل مسارات لبنان السياسية والأمنية والاقتصادية متشابكة مع مسارات جارتها الأكبر. هناك أيضًا خطر متزايد من تصاعد التوتر بين "حزب الله" وإسرائيل وسط توترات متنامية بين إيران واميركا. الى ذلك، تواجه المصارف اللبنانية خطر التعرض لمزيد من التصعيد في العقوبات ضد "حزب الله"، عقب الحزمة الجديدة المفروضة على أعضاء الحزب في الحكومة، للمرة الأولى. ومع ذلك، لا يتضمن سيناريو الحالة لدينا، زعزعة استقرار الصناعة المصرفية في البلاد".

لبنان تجاوز صدمة التصنيف، لكن مهلة الأشهر الستة بدأت. مهمة الحكومة صعبة وليست "مستحيلة". فهل تتلقف الفرصة؟