EXCLUSIVE

19 آب 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
الحريري مزروك... و"سيدر" متروك!

شغل سعد الحريري، رئيس حكومة لبنان، الرأي العام وتحديدا اللبناني، حين أطلق العنان لحسابه الشخصي على "إنسترام" التصرف بحرية في نشر صور استضافته مرتين في مزرعته قرب العاصمة واشنطن، وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو.

قيل الكثير وكُتبت تحليلات متجانسة ومتناقضة المضامين، عن لقاء الرجلين في زيارة التبست مضامينها وأهدافها على الكثير من المترقبين والمتربصين. فالزيارة الخاصة لمناسبة تسجيل كريمة الحريري في إحدى جامعات أميركا، حبست الأنفاس في بيروت بعدما اتخذت أبعادا مفاجئة في الشكل كما في المضمون.. واللقاءات الرفيعة المستوى للحريري في واشنطن، وتحديدا مع وزيري الخزانة والخارجية، شغلت الإهتمامات حين سُرّب أنها إستهدفت "الخاصرات الرخوة" للبنان، سياسيا وأمنيا وإقتصاديا.

العقوبات الأميركية على "حلفاء حزب الله"، إحتلت المرتبة الأولى في هواجس أثارتها التعليقات والتحليلات التي قالت إنها ستطول "كل الطوائف"، وخصوصا بعد تسمية وزير الخارجية جبران باسيل أكثر من مرة ورئيس مجلس النواب نبيه بري، في تكهنات مَن ستطولهم آليات القانون الأميركي غير القابل لأي تعديل، والهادف إلى قطع أوكسيجين الدعم والغطاء الممنوح للحزب داخليا بالتوازي مع سعي واشنطن إلى تجفيفه إقليميا إثر حوادث ناقلات مضيق هرمز، في ظل تقاطع مصالح إقتصادية بين باريس وفرانكفورت وطهران. 

ورغم حرص الولايات المتحدة على عدم إفتعال "هزة" مصرفية ومالية في الداخل اللبناني، إلا أن الخشية من توسيع دائرة المستهدفين في لوائح "أوفاك" تقلق مودعي المصارف وتنعكس ضغطا على سعر الليرة اللبنانية كما على الثقة التي تزيد هشاشة نتيجة وهن الأداء الداخلي والقصور عن تحصين مناعة المشهد الإقتصادي والمالي، في معزل عما تردّد عن حرص نائب وزير الخزانة مارشال بيلينغسلي وتأييده للإجراءات التي تتخذها المصارف اللبنانية وحاكم مصرف لبنان ومطابقتها للقوانين والإجراءات الدولية.

ورغم الخلاصات الإيجابية التي رغبت دوائر الحريري تشييعها في بيروت، بدا واضحا التشدّد الأميركي حيال المضي بمسألة العقوبات على "حزب الله" في حال استمر بتصرفاته، وتكليف الحكومة والعهد مسؤولية "ضبط" الحزب لتطويق مفاعيل العقوبات، حتى ولو نجح لبنان في "التوفيق" ما بين خيار دعم إستقرار مؤسساته التي تتمتع بصدقية وتجنّب إرتدادات "الموجات الجديدة" من العقوبات. ولا تبدو واشنطن آبهة لعجز الحكومة عن التأثير في القرار الأميركي الحاسم في هذا الإتجاه، كما في قرار الحزب لجهة الإستمرار في التواصل مع طهران ورهانه على بقائه أحد الأذرع العسكرية لنظام منفلش من إيران إلى لبنان، مرورا بالعراق واليمن وسوريا. 

ولم تكن بعيدة مسألة ترسيم الحدود التي ستوكل مهمة متابعتها إلى ديفيد شينكر، الذي يتقن العربية وكان مسؤولا عن تقديم المشورة الى وزير الدفاع وضباط البنتاغون في شأن سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وهو ثالث المسؤولين الأميركيين الذين حاولوا فضّ النزاع على المنطقة الاقتصادية الخالصة (860 كيلومتراً مربعاً) التي تضمّ البلوك رقم 9 الغني بالنفط والغاز والمُكتشف عام 2009. وسيعمل شينكر بعد فشل ديفيد ساترفيلد، تحت سقف توجيهات كبار المسؤولين في الخارجية الأميركية، لكنه سيطبع مفاوضاته بإسلوبه الخاص انطلاقاً من خبرته الطويلة مع ملفات الشرق الاوسط، والتي تعلّم منها أنّها منطقة المفاجآت غير المحسوبة، أو المنطقة الأكثر غموضاً في العالم، بدليل أن مساعي ساترفيلد أوشكت على إحراز تقدم ملموس قبل أن تصطدم مجددا بشرطين إسرائيليين: أن تقتصر المفاوضات على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين وليس الحدود البرية، وأن تتم تحت رعاية أميركية وليس أممية، فضلا عن تحفظ لبنان على طلب إسرائيل ربطها بمهلة زمنية تنتهي خلال 6 أشهر. 

وكان لبنان رفض عام 2012 التنازل عن حقوقه الشرعية في المنطقة المتنازع عليها، وأجهض تاليا إقتراح الوسيط الأميركي السابق فريديرك هوف لترسيم الحدود والذي عُرف بـ"خط هوف"، لأنه منح لبنان مساحة 500 كلم2 من تلك المنطقة مقابل 360 كلم2 لإسرائيل.

وإلى "سيدر" الموقوف في سجن "الإصلاحات المالية والإقتصادية"، لم تنجح موازنة 2019 في إطلاق مندرجاته بعد رغم تأكيد الحريري بوجود دعم أميركي مستمر له ولبرنامج الإستثمار "الضروريين لإعادة إحياء الإقتصاد اللبناني". وإذا كان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي كان موضع إشادة أميركية لأدائه النقدي، يستمرّ في مسعاه العربي والخليجي والأوروبي لتحفيز الأشقاء على مدّ لبنان برزمات دعم مالية تعزّز من حصانة الليرة والثقة بالنشاط المصرفي، فإن الحكومة ستكون بعد "تسوية قبرشمون"، أمام إمتحان تحصين المناخ السياسي الجديد، لجهة قدرتها على تلبية متطلبات الورشة المقبلة التي تحتاج إلى إدخال لبنان "حال طوارئ إقتصادية".

وأول الإستحقاقات القريبة، إصلاحات موازنة 2020 وإلتزام المواعيد الدستورية في مناقشتها وإقرارها، وتحقيق إجراءات عملية في إصلاح قطاع الكهرباء لتخفيف إستنزافه الخزينة وتضييق حصته من العجز العام، بدءا من تحرير مؤسسة كهرباء لبنان من وصاية وزارة الطاقة المحكمة عبر تشكيل مجلس إدارة جديد وتعيين الهيئة الناظمة للقطاع وإطلاق يد دائرة المناقصات حفاظا على الشفافية والصدقية والجدية في إصلاح قطاع إستهلك من جيوب اللبنانيين نحو 40 مليار دولار على مدى ثلاثة عقود. 

قد لا يكون الرئيس الحريري تلقى "إملاءات" في واشنطن الأسبوع الماضي، لكنه حتما "مزروك" بما سمعه من مطالب وتمنيات.. وهذا ما يبقي "سيدر" متروكا لعنان السياسة الداخلية المرهونة لقرارات خارج لم تعد مظلته كافية لحفظ لبنان في ثلاجة الإستقرار والأمان.