آراء / تقارير

09 آب 2019, 11:28
صحيفة نداء الوطن خالد أبو شقرا
"الورقة الخضراء" عملة صعبة بامتياز

جهد أبو سلام، الموظف في القطاع العام، لتحويل مبلغ مليون و200 ألف ليرة إلى الدولار، يعطيه لفلذة كبده (سلام) المسافر للعمل في الخارج كمساهمة بسيطة. دخل من باب مصرف وخرج من آخر خالي الوفاض، ولم يتوفق في تحويل المبلغ الذي بين يديه إلى 800 دولار. شكوى (أبو سلام)، تتقاطع مع عشرات الأخبار عن شبه استحالة تحويل الليرة إلى الدولار في المصارف بسعر الصرف الرسمي الذي يتراوح بين 1501 و1514 مهما تدنى المبلغ. وهذه المعاناة يسجلها أصحاب محطات الوقود أيضاً منذ شهور، حيث يعجزون عن تحويل ما يتقاضونه من الزبائن بالليرة إلى دولار، لدفعه للشركات العالمية الموردة. هذا الواقع دفع بالمواطنين، في اقتصاد يعتاش على الدولار للجوء الى محلات الصيرفة بشكل كبير، والتي لوحظ اخيراً انها تعتمد سعر صرف 1530 لكل دولار.

شحٌّ في الدولار
جولة بين محلات الصيرفة وفروع المصارف تثبت صحة ما يقال بالنسبة لعمليات الصرف، لكن هناك الكثير من التناقضات في ما يخص الأسباب. ففي الوقت الذي تُسوّق فيه فكرة استغلال الصيارفة، وتحديداً الصغار منهم، للأجواء السياسية وسوء الأوضاع الإقتصادية، واضطرار المواطنين من منتجين ومستهلكين، إلى تحويل الليرة إلى دولار مهما ارتفعت الأسعار، تشير المعطيات إلى أن سياسة تقنين الدولار الناتجة عن استمرار عجز الموازنة، وحاجة الدولة إلى التمويل، دفع بالسياسة النقدية إلى "التباخل" في توفير الدولار من خلال المصارف، وإلى اعتماد المزيد من الإجراءات التصاعدية لتقييد التحويل الى الدولار.

هذا الواقع يترافق مع شح كبير في الدولار، وهو لا يُترجم فقط في ارتفاع سعر صرفه لدى الصيارفة، إنما أيضاً في القروض، والإستقتال لجذب ودائع الدولار بمغريات الفوائد المرتفعة، والتي لامست الـ14%، بالمقارنة مع ¼ و ½ في الإقتصاديات الطبيعية، وهو ما يشكل علامة فارقة ومقياساً لارتفاع نسبة المخاطر ولانخفاض مستوى الثقة. فلا يخفى على أحد أن لبنان بحاجة شهرياً إلى ما يزيد عن المليار و500 مليون دولار لتلبية مشترياته من سلع وخدمات من الخارج، وذلك قياساً على فاتورة الإستيراد السنوية المقدرة بـ20 مليار دولار. أمام هذا الضغط تحوّلت كمية كبيرة من الطلب تلقائياً إلى محلات الصيرفة حيث عمد "محولو الأموال"، إلى رفع هامش البيع بنسبة 0.15 أي من 1515 إلى 1530 بنسبة 1/1000. وذلك بناءً على معادلة العرض والطلب البسيطة، وبأن الصيرفة هي عمل (business)، وليست فعلاً خيرياً. بحسب أوساط الصيارفة. 

تقييد التحويل
مصرفياً، يتداول سعر الدولار بشكل إعتيادي في الهامش الذي حدده مصرف لبنان أي بين 1501 و1514 وبشكل وسطي عند معدل 1513، وبمعدل طلب إعتيادي. إنما المشكلة تبقى بحسب المتعاملين في زيادة القيود المفروضة على حرية الصيرفة في التعاملات بين الليرة والدولار، وهذا يعود الى الحاجة الماسة للدولار، نتيجة تراجع التدفقات المالية، والإتكال المفرط على الخارج لتلبية مختلف حاجاتنا ورغباتنا، والتي ندفع ثمنها بالدولار بشكل أساسي. 

لكن إلى متى ستستمر هذه العملية؟ وهل لها إنعكاسات على فقدان الليرة اللبنانية لقيمتها؟ يجيب كبير الإقتصاديين في "بنك بيبلوس" نسيب غبريل بالنفي، "إذ أن الكتلة النقدية بالعملات الأجنبية موجودة بمعظمها في المصارف، وسعر الصرف يتحرك بشكل طبيعي ضمن الهامش الرسمي. والتداول بين المصارف يتم بين 1512 و 1514 وكل ما يحدث خارج القطاع المصرفي ليس مسؤولية المصارف". ويضيف، "هناك كامل الحرية للمودعين بالتصرف في ودائعهم، سواء كان تحويلها إلى غير عملة، تجميدها أو حتى سحبها". ويستطرد غبريل "نحن لا نقول إنه لا توجد حاجة إلى تدفقات رؤوس أموال أكثر إلى لبنان، وانه لا توجد أزمة سيولة في الأسواق التجارية، ولكن من الجهة الأخرى لسنا على شفير الإنهيار، فودائع القطاع المصرفي تقدر اليوم بنحو 171 مليار دولار، وهي دليل على متانة القطاع والثقة به". 

ارتفاع سعر الصرف في الأسواق إلى 1530 قد لا يفقد الليرة قيمتها، صحيح. إنما له من الدلالات الخطيرة ما يكفي للوقوف عنده ومعالجة أسبابه الرئيسية، والتي تبدأ في تخفيف حجم كلفة الدولة ومديونيتها، مروراً بتعزيز الصادرات وخلق أجواء إيجابية لاستقطاب السياح، وصولاً إلى التخلي عن الاجراءات المصطنعة القائمة على رفع الفوائد لجذب الدولار، والتي تثبت يوماً بعد آخر ضررها الكبير على كل القطاعات الانتاجية والخدماتية، وعلى قدرة المواطنين الشرائية. 

في الأمثال الشعبية، وتحديداً في المجتمع الزراعي، يقال إن "الثلم الأعوج من الثور الكبير"، أي أن سبب اعوجاج المساحة المخصصة للزراعة هي بسبب الثور الذي يحرث الأرض. ولعل هذا أقرب ما يكون إلى وضعنا. فتخبط مختلف المؤسسات الرسمية والخاصة يعود إلى سوء السياسات المتبعة، والتي أدت في المحصلة إلى هذا العجز الكبير، وعدم القدرة على تأمين السيولة، وخلق حالة ضياع وعدم استقرار عند مختلف الأفراد والمستثمرين.