آراء / مقالات

08 آب 2019, 11:18
صحيفة الحياة عزمي عاشور
تقليص الدعم الحكومي والنجاح الاقتصادي

العملة الوطنية مؤشر حيوي لقياس قوة اقتصاد أي مجتمع ومتانته. فكم من عملات وطنية انهارت جراء انهيار مجتمعاتها بدءاً من العراق عقب الغزو الأميركي في 2003، مروراً بالجنيه السوداني الذي هوت قيمته في سنوات سابقة فألغيت منه ثلاثة أصفار ثم تدهوره في الوقت الحالي. الأمر ذاته ارتبط بالعملة التركية في الفترة الأخيرة، إلا أن مشهد العملة الفنزويلية يبقى المثال الأوضح على أن العملة عندما تفقد قيمتها، تعجز الملايين منها عن شراء زجاجة مياه.

قصة العملات قد يرويها الاقتصاديون في شكل جيد. أما هنا، فسنتبع النهج السيكولوجي في تحليل الظاهرة التي تجعل الطفل الصغير العاجز عن إدراك العالم من حوله، يفهم قيمة ما تحمله يداه من عملة ورقية أو معدنية وربما يبكي طلباً لها بما أنها تجلب له ما تشتهيه نفسه من عصير أو حلوى. هذا الطفل يعتبر في هذه المسألة بالذات راشداً. ومن هنا، جاءت القيمة الحقيقة للعملة كونها تحمل قيمة بداخلها ليس من منطق الفهلوة وإنما انعكاس لواقع تفاعل البشر وسلوكياتهم بين الإنتاج والاستهلاك.

الهدف من هذا السرد، هو الفهم والاستيعاب بعيداً مِن الشعبوية الفكرية التي تتعاطى مع أمور الاقتصاد بعقلية الأيديولوجيا. فجزء كبير من انهيار عملة أي بلد، مرتبط طبعاً بالفساد السياسي وغياب الرؤية الاقتصادية الناجحة، إلا أنه يبقى هناك عامل آخر مهم سنركز عليه لكونه غير متناول، وهو المتعلق بالفساد الاجتماعي. وهو هنا مرتبط أساساً بالبشر وبقدراتهم على الإنتاج في مقابل الاستهلاك. ذلك أن الإنتاج يخلق التنافس على جني الثمرات. أما إذا تساوى من يعمل بمن لا يعمل، فإن الحافز يقل وبالتالي الإنتاج، ومن ثم يزيد التضخم وترفع الأسعار لقلة المعروض وتحدث الكوارث والمجاعات على طريقة ما حدث في دول كثيرة وتصبح العملة هنا لا قيمة لها.

هذا النوع من الفساد، يرجعه اليساريون والاشتراكيون إلى غياب العدالة. علماً ان دولاً كثيرة وقعت في هذا الخطأ، إما رغبة في شراء الولاء للبقاء في الحكم لأطول مدة ممكنة، وإما لغياب الرؤية الاقتصادية والتخطيط الجيد، أو الاثنين معاً. كان هدف الذين يحكمون مبنياً على شراء الرضا الشعبي حتى لو جاء ذلك من الفساد الاجتماعي من خلال تقديم خدمات ودعم يأخذ من قوت المجتمع ليجعل الناس كسالى لا ينتجون. وهو منطق خلق ما يشبه الحقوق غير المستحقة لفئات كبيرة من المجتمع تنوعت وتعددت خسائرها. أولها أنها عطلت جزءاً من الدخل القومي يذهب في سبيل الدعم، وثانياً عطَّلت الطاقة الإنتاجية لهذه الفئة المتكلة على ما تحصل عليه، وثالثاً أن هذه الأموال لم تستخدم في خلق فرص للإنتاج مِن طريق صرفها في مشروعات استثمارية وحتى خدماتية مرتبطة بالصحة والتعليم يمكن أن تفيد في المستقبل وتشكل إضافة للمجتمع. وخطورة هذا النهج أنه يصطنع حقوقاً واجبة التنفيذ من الدولة تجاه مواطنيها ولدى محاولة التنصل منه منها تحدث الثورات الشعبية.

من التطورات المهمة التي حدثت في مصر في أواخر 2016 تحرير سعر صرف عملتها، إذ كان التساؤل: كيف يعمل اقتصاد مجتمع ويزدهر مع وجود سعرين لعملته مقابل الدولار، ويذهب فرق السعرين إلى جيوب سماسرة العملة بدل أن يدخل في عجلة تنمية اقتصاد المجتمع؟ ومن ثم جاء التحرير مع تشديد الرقابة على السوق الموازية بمثابة حبل الإنقاذ لغريق على وشك الموت. وتبعت ذلك مجموعة من الإصلاحات أهمها بداية التخلص من الدعم؛ ليس بهدف تعذيب الفقراء في مجتمع جزء كبير منه فقير ظل لسنوات يعتمد على ما تقدمه الدولة، إنما بهدف إعادة ضبط الاقتصاد بحيث يستمر الاهتمام بالفقراء ولكن بنهج جديد يظهر القيمة الحقيقة لثروات المجتمع.

مجرد البدء بهذه الخطوة شكّل مخاطرة كبيرة. كيف سترضى هذه الشرائح من المجتمع بغلاء أسعار يترتب على تحرير العملة؟ من هنا، كان البدء التدريجي في إزالة الدعم بهدف أن تباع السلعة بقيمتها الحقيقية وأن تكون الخدمة المقدمة بتكلفتها الحقيقية. وكانت هذه طريقة واقعية للقضاء على الفساد الاجتماعي. جاءت على مصر مثلاً، فترة أصبحت فيها شبكات الكهرباء لا تستطيع أن تغذي كل مدنها. الأمر الذى جعل الكثيرين يلجأون إلى محركات توليد الكهرباء الذاتية، والسبب أن الكهرباء كانت رخيصة السعر بسبب دعمها، ما سهَّل الإسراف في الاستهلاك. ومع بدء إزالة الدعم عن هذا المرفق وتجديد الشبكات وتقويتها بمحطات جديدة، كانت المفارقة أن الاستهلاك تقلص إلى 16%، وأن شريحة مماثلة ذهبت إلى الشريحة الفقيرة المستحقة للدعم. وأصبحت الفائدة فائدتين. زادت قيمة الخدمة في أعين مَن يستهلكون عما كانت عليه وهي رخيصة.

ويمكن القياس على ذلك في أمور كثيرة مثل وسائل المواصلات وغيرها من الخدمات، إذ أصبح منطق أن يحصل المستهلك على السلعة بقيمتها الحقيقية مفيداً للاقتصاد لجهة المحافظة عليها. ومن ناحية ثانية إن ذلك يصب في قيمة ما تحمله في يدك من نقود وأنت مدرك أن تلك النقود يمكن أن تجلب لك خدمة جيدة.

الفقراء هنا لم يتم إخراجهم من الدائرة التى كان يتستر وراءها الكثيرون ليكسبوا ومن ثم يشلون الاقتصاد. بل أصبح الأمر أكثر سهولة في تقديم الخدمات للفقراء سواء في الصحة والتعليم ومشاريع التكافل لكبار السن والأرامل وغيرهم.