EXCLUSIVE

22 تموز 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
موازنة بيلاطس vs التحديات!

أما وقد نجح لبنان في إمرار موازنة 2019، متجاوزا قطوع "قطوعات الحسابات" بعد مهلة الستة أشهر لتقديمها عن الأعوام "المكسورة" قبل البدء بمناقشة مشروع موازنة 2020، تدخل الحكومة في دائرة إمتحانات جديدة، أقربها قياس جديتها في إلتزام عجز الـ7.6% وإشاعة مناخ من الثقة يخفّف حدة الركود الإقتصادي، وإمتصاص نقمة الشارع بعد سلة الإقتطاعات والضرائب الجديدة.

هي مرحلة أوقعت الحكومة والسلطة السياسية مجتمعة في دائرة المراقبة المباشرة من مجتمع المانحين الذي إرتضى أولى خطوات مسيرة الإصلاح، على أن يكون الرهان مستقبلا، على إنجاز ما تستوجبه المراحل اللاحقة من إصلاحات جذرية قادرة على جذب مليارات "سيدر". والبدء يكون بمعالجة إختلال المالية العامة إنطلاقا من وقف تنامي المديونية وكلفتها المرتفعة تباعا، وضبط مسار العجز السنوي للخزينة بعد إلتزام سقف الـ7.6% لهذا العام وبمقدار 1% للسنوات الأربع المقبلة، فضلا عن المساهمة في فرملة حماسة بعض المؤسسات المالية لخفض تصنيف لبنان إلى مرتبة C المرتفعة الكلفة على الديون اللبنانية، في الخارج كما في الداخل.

المراقبة الدولية بدأت تُترجم مواقف من "أولى الخطوات الإصلاحية"، إن بقيت على المسار الصحيح. من البنك الدولي المتحمس لإصلاح قطاع الكهرباء قبل أن يبدأ بصرف التمويلات اللازمة، رأى المدير الإقليمي للبنان والشرق الأوسط في البنك ساروج كومار أنّ "لبنان أقرّ موازنة تهدف إلى تحقيق خفوض مالية معبّرة في العجز والانفاق، في خطوة أولى جيدة، والإنخراط في حوار وطني كامل بين الحكومة والبرلمان". ولم تتوانَ تشجيعا، "مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان" التي كان لها ملاحظاتها قبل أسبوعين، عن إعتبار إقرار الموازنة "خطوة ملحة لخفض العجز" ضمن رؤية لبنان الإقتصادية وإلتزاماته في مؤتمر "سيدر".

وفي بيان، قالت المجموعة "نعترف بإقرار خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتطبيقها الأولي، ونشجع الحكومة على إحراز تقدم في المسائل المعلقة المتعلقة بهذا الملف. ندعم الحكومة اللبنانية لبدء تطبيق تدابير الموازنة، ونرحب باعتزامها بدء الإستعدادات لإقرار موازنة 2020 لتستكمل العملية في الوقت المناسب، وبشكل مسؤول ماليا". لكن المجموعة نصحت "القادة اللبنانيين" بإعتماد مزيد من الإصلاحات المالية والهيكلية والقطاعية في أقرب وقت، وتنفيذ تدابير مكافحة الفساد والشفافية التي حددها لبنان ضرورة لإنتعاش إقتصاده ونموه".

هذه الإصلاحات ستكون مفيدة برأي بنك الإستثمار "غولدمان ساكس"، إذا كانت ستدعم ثقة المودعين والمستثمرين في الإقتصاد على الأمد القريب، "لأن المخاطرة الرئيسة التي تواجه الإقتصاد تتمثل في التدهور السريع لحال السيولة في سوق العملات".

فهل ستنجح موازنة 2019؟ في معزل عن مخاطر التنفيذ وصدقية الحكومة بإلتزام نسبة العجز بعدما إستحال عليها ذلك في موازنة 2018 (قدّرت العجز بـ8.4% في حينه، لكنه إرتفع إلى 11.5% فعليا)، فإن الهمّ الرئيس المتعلق بالموازنة يتوزّع على شقين: أولاً، إن التعديل المستهدف، حتى لو تمّ تحقيقه، لن يكون كافيا لوضع الديون على مسار مستدام. ثانياً، تميل التدابير المدرجة في الموازنة نحو جانب الإيرادات، بما سيضطر الحكومة للإعتماد إلى حد ما على توقعات النمو، والتي قد تعوّق بدورها تنفيذ الأهداف إن لم يبلغ النمو المعدلات المرتقبة. وفي التاريخ القريب، أمثلة على فوارق كبيرة ما بين التوقعات والنتائج المحققة.

ربما أكثر ما يثير القلق، هو العلاقة غير الصحية بين التقشف والنمو. إذ كلما زاد الجهد المبذول، إما عبر زيادات في العبء الضريبي أو عبر خفوض أعمق في الإنفاق، زاد التأثير السلبي المحتمل على النمو. فمقابل كل زيادة بنسبة 1% في نمو الناتج المحلي الإجمالي، ينخفض الفائض الأساس المستقر بمقدار 1.5 نقطة مئوية من إجمالي الناتج. في إطار هذه الشروط، يمكن خدمة الإستدامة على نطاق واسع عبر دعم النمو أكثر من السعي إلى خفوض أكبر في الموازنة.

لكن، وبدل دعم النمو عبر إطلاق وتبنّي سلسلة محفزات، أولها إصلاحات هيكلية تفضي إلى إستعادة ثقة الخارج والداخل بلبنان، فضّلت السلطة، ولدواعي العجلة، اللجوء إلى المسكّنات من دون أن تقارب أبواب الإصلاح والفساد والإهدار والتهرّب والتهريب. وأكثر، بدت وكأنها فصّلت موازنة 2019 على مقياس متطلبات "سيدر" لجهة خفض العجز، فيما أغفلت آليات تصويب إختلالات المالية العامة وإعادتها إلى الإنتظام، وعكس دينامية الدين العام وكلفته المتنامية إلى حدّ ينذر بتخطي السقوف الدولية المقبولة للعلاجات الذاتية.

جميعهم "غسلوا" أيديهم من الموازنة على مثال بيلاطس البنطي، "فهي أقل من طموحاتنا"، وإن إعتبروا أنها "تبقى خطوة أولى على طريق الإصلاح"... وزير المال علي حسن خليل وعد بالكلام اليوم عن الأرقام النهائيّة للموازنة والعجز، "ولن نخرج عن السقف الّذي كان ظاهرا عندنا"، وذلك بعدما تلهّى الجميع بالأصوات التي نالتها برفع الأيدي (!)، رغم المطالبات المتكررة بإعتماد نظام التصويت الإلكتروني الذي كان أحد أدوات التجديد في قاعة البرلمان عام 2011، وكان آخرها تذكير من النائب سامي الجميل بإقتراح قدّمه قبل أربعة أعوام "لمزيد من الشفافية في العمل التشريعي... فطالما لا يتحمل النائب مسؤولية صوته، لن يُحاسب من الشعب". 

في ختام مسرحية ساحة النجمة التي إحتلت شاشات التلفزة من دون نسب المشاهدة، إقتنع لبنان الخارج على الدستور والإعراف والقوانين، بأنه أقنع المجتمع الدولي بما وجهّه من رسائل لجهة قدرته على إنجاز "موازنة طموحة" وبالعمل جديا على خفض العجز، وبقدرته على استكمال ما بدأه في 2020... التحديات كثيرة، فكيف سيكون الردّ دوليا عبر "سيدر" وتصنيف لبنان؟