آراء / مقالات

11 تموز 2019, 08:56
صحيفة الديار جاسم عجاقة
تداعيات العقوبات على نواب "حزب الله"

لا يُمكن القول أن إدراج أسماء نواب من كتلة "حزب الله" كان مفاجئًا للبنان نظرًا للتوعدات التي قام بها الرئيس دونالد ترامب وتفاقم المواجهة الإيرانية الأميركية، لكن المفاجأة الكبرى هي الطلب إلى الحكومة اللبنانية عدم التعامل مع من تشملهم العقوبات من "حزب الله". وهنا تبرز المُشكلة الأساسية وهي كيف يُمكن لحكومة عدم التعاون مع نواب عن الأمة؟

هذه الإشكالية تُبدّل من أولويات الحكومة وتدفعها إلى الإجتماع اليوم قبل الغدّ نظرًا إلى الإستحقاقات التي تنتظر الحكومة، وأن أي "تطنيش" من قبل هذه الأخيرة سيكون له تداعيات على كل أعضاء الحكومة.

الخيارات المطروحة عديدة، ولكن الأهمّ أن كل خيار من هذه الخيارات له ثمن. وبالتالي أي خيار ستأخذه الحكومة اللبنانية (بما فيه خيار "التطنيش") يجب أن يكون محسوبًا بدقّة تحت طائلة جلب الكوارث على الدوّلة اللبنانية.

هذا البعد السياسي الهائل الذي خلقته هذه العقوبات، تضع أحداث قبرشمون الأليمة في المرتبة الثانية في سلّم الأولويات وتجعلّ من التئام الحكومة أمرًا حتميًا. إذ أنها (العقوبات) تُشكّل مخرجًا لطرفي النزاع حول إحالة أحداث الجبل على المجلس العدّلي على قاعدة لا غالب ولا مغلوب.

وأمام استحقاق الموازنة، تأتي العقوبات لتُسرّع من عملية إقرار العديد من الأمور التي كانت لتُشكّل عائق أمام المضي في الموازنة وعلى رأسها قطع الحساب ولكن أيضًا صيغة الموازنة التي خضعت لـ54 إجتماع عمل ما بين الحكومة ولجنة المال والموازنة. هذه الأخيرة أنهت أول من أمس اللمسات الأخيرة على مشروعها الذي ستُحيله إلى الهيئة العامّة مع خفض للعجز إلى أقلّ من 7% بحسب تصاريح النواب المُشاركين.

في هذا الوقت، تتزايد التصاريح والتقارير عن إفلاس وإنهيار الليرة اللبنانية تبثهّا بعض الجهات لغاية ما في نفس يعقوب. وإذا كان الوضع الإقتصادي والمالي العام يعيش مرحلة صعبة نتيجة السياسات المالية شبه الغائبة خلال عقود، إلا أن الوضع المالي بعيد عن الإفلاس والليرة ثابتة طالما رياض سلامة حاكمًا على مصرف لبنان الذي لن يقبل بتشغيل ماكنة الطبع إلا ضمن قوانين اللعبة الإقتصادية أي زيادة في الكتلة النقدية تساوي النمو الإقتصادي.

العقوبات الأميركية على "حزب الله" 
أصدرت الخزانة الأميركية بيانًا أعلنت فيه عن إدراج أعضاء من "حزب الله" على لائحة العقوبات الأميركية وهم النائب أمين شرّي، النائب محمد رعد، ومسؤول وحدة الإرتباط والتنسيق وفيق صفا وذلك عملا بالأمر التنفيذي رقم 13224 الصادر عن الإدارة الأميركية.

والتهمّ الموجّهة للنائبين رعد وشرّي بحسب بيان الخزانة الأميركية، تشمل إستخدام البرلمان اللبناني بغرض دعم المصالح المالية والأمنية الخاصة بـ"حزب الله" وتعزيز أنشطة إيران مع إتهام النائب شرّي بـ"تهديد المؤسسات المالية وموظّفيها" لتطبيقها العقوبات الأميركية.

هذا الأمر ردّ عليه الرئيس برّي في بيان قال فيه أن العقوبات الجديدة تُشكّل "إعتداءً على لبنان والمجّلس النيابي". أمّا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون فقد صنّف هذه العقوبات في خانة التناقض مع مواقف أميركية سابقة تؤكّد إلتزام لبنان والقطاع المصرفي بالعقوبات الأميركية وأسِف للجوء الولايات المتحدة إلى هذه الإجراءات التي تطال نائبين منتخبين. وأضاف أن هذا الموضوع سيُلاحق مع السلطات الأميركية ليبنى على الشيء مقتضاه. من جهته دعا "حزب الله" الدّولة إلى أخذ موقف رسمي من العقوبات مُتهمًا المصارف اللبنانية بالتأمر عليه بتلميح إلى التهمّة الموجّهة إلى النائب شرّي بأنه هدّد بعض المصارف.

لكن السؤال الأساسي لماذا العقوبات على نائبين ولماذا الأن؟ الجواب على هذا السؤال يفرض تحليل عدّة سيناريوهات لا يعلم مدى مطابقتها للواقع إلا من وضعها:
1ـ السيناريو الأول ينصّ على أن هذه العقوبات هي تكملة للعقوبات التي تطال ما تُسمّيه الولايات المُتحدة الأميركية بـ"أذرعة إيران في المنطقة"، وبالتالي جاءت هذه العقوبات تنفيذًا لوعد دونالد ترامب الذي قطعه منذ شهر تقريبًا. أمّا فيما يخص التوقيت، نرى أن الأجواء الإقليمية مؤاتية للحكومة الأميركية لفرض هذه العقوبات.

2- السيناريو الثاني قريب من الأول ويعتبر أن العقوبات الجديدة على "حزب الله" هي إمتداد للعقوبات الأميركية على إيران، ونتيجة طبيعية للمواجهة الحادّة بين الأميركيين من جهة والإيرانيين من جهة أخرى. وبالتالي، فإن العقوبات تُشكّل إحدى جبهات هذا الصراع وتوقيتها يأتي ضمن الضربات المتبادلة بين الجانبين.

3ـ السيناريو الثالث ينص على أن هذه العقوبات هي نوع من أنوا ع الضغوط على الحكومة اللبنانية بهدف تغيير موقفها من صفقة القرن. وُيشكل التوقيت والمحتوى لهذه الرسالة عيّنة لما قد يتعرّض له لبنان إذا إستمرّ لبنان برفض صفقة القرن.

4ـ السيناريو الرابع ينص على أن للبنان مكانة مُميّزة في الإستراتيجية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط. من هذا المُنطلق بدأت الإدارة الأميركية عملية عزل للبنان عن محيطه. هذا الأمر يبدأ بخلق أجواء داخلية تحفّز رفض بيئة "حزب الله" (من كل الطوائف) كي يتمّ تحجيم بعده الإقليمي. وتُعتبر هذه الخطوّة في ظل هذا السيناريو كمؤشّر لبدء الإدارة الأميركية تنفيذ إستراتيجيتها على الصعيد الإقليمي مما يعني بدء ظهور تغّيرات سياسية وإقتصادية.

5ـ في ظل السيناريو الخامس، ترغب الولايات المُتحدة الأميركية توجيه رسالة إلى حلفاء حزب الله وإلى خصومه في آن واحد. وتشمل هذه الرسالة دعوة الحلفاء إلى عدم الإستماتة بالدفاع عن الحزب وللخصوم إلى عدم التراخي.

على أي حال، مهما كان السيناريو الذي تتبعه الإدارة الأميركية، هناك نقطة أساسية تواجه الحكومة اللبنانية وتُصعّب من عملها وهي طلب الخزانة الأميركية من الحكومة اللبنانية عدم التواصل مع الأشخاص المُدرجة أسماؤهم على لائحة العقوبات. هذا الطلّب يخلق مُشكلة قانونية ودستورية ومالية وحتى تشغيلية للحكومة:

أولاـ على الصعيد الدستوري: النائب مُحصّن من الدستور بحكم المادّة 29 منه، فالنائب يتمتّع بحصانة لا يُمكن رفعها إلا من قبل المجلس النيابي. في المقابل ورود الأسماء على لائحة العقوبات "تُجرّم" بنظر القانون الأميركي النائبين. وبما أن الدستور هو الأعلى في هيكلية القوانين، نطرح السؤال عن كيفية تعامل الحكومة مع هذا الموقف على صعيد إجتماعاتها بالنواب في المجلس النيابي ولكن أيضًا كيفية دفع أجورهم الشهرية عن أعمالهم النيابية؟

ثانيًاـ على الصعيد القانوني: هناك تضارب واضح بين حصانة النائب وبالتالي حقّه في إمتلاك حساب مصرفي من جهة وتطبيق العقوبات الأميركية المُلزمة للمصارف إقفال حساب أي فرد أو شركة على لائحة العقوبات من جهة أخرى. بالطبع المصارف اللبنانية ليست بمؤسسات سياسية بل هي مؤسسات تجارية تبغي الربح وهذا الأمر يتطلّب تدخّلاً واضحاً من قبل الحكومة تحت طائلة تجييش قسم من الرأي العام ضدّ المصارف.

ثالثًاـ على الصعيد المالي: إنخفضت أسعار سندات الخزينة اللبنانية بالعملة الأجنبية 2.36% بعد إعلان العقوبات في أسواق لندن للسندات. ويُعتبر هذا السوق المكان الذي تُعبّر فيه الأسواق المالية عن رأيها في أداء الحكومة وبالتالي يأتي هذا الإنخفاض كإشارة للحكومة أن الأسواق تنتظر منها إجراءات مُعيّنة كردّة فعل على العقوبات.

على الصعيد الإقتصادي: من الواضح أن خيار تجاهل الدوّلة اللبنانية لمطلب الحكومة الأميركية سيؤدّي حكمًا إلى تأخير (وربما إلغاء) تنفيذ وعود مؤتمر "سيدر". هذا السيناريو سيكون له تداعيات جمّة خصوصًا أن الواقع الإقتصادي الحالي يُشير إلى أن الوسيلة الوحيدة للخروج من الأزمة الإقتصادية هو القيام بإستثمارات.

على الصعيد التشغيلي: لا نعرف كيف ستتعامل الحكومة مع القيود الموضوعة عليها لجهّة تواصلها مع النائبين رعد وشرّي خصوصًا أن الدستور يضمن لهما حقّ مساءلة الحكومة ويُعطون الثقة أو يحجبونها عن الحكومة إضافة إلى مناقشة قانون الموازنة الذي يُعتبر أهم القوانين في الدوّل. وإذا كانت بعض الحلول مثل غياب النائبين عند مناقشة الموازنة موجودة، إلا أنها تُخالف المادّة 29 من الدستور الذي ينصّ على أن لا قيود على النائب، فكيف الحال إذا كانت هذه القيود تطالل عملهما النيابي.

الحكومة والموقف الرسمي 
من كل ما تقدّم، نرى أن ملف أحداث قبرشمون الأليمة أصبح في المرتبة الثانية في سلّم أولويات الحكومة وبالتالي نتوقّع أن تنعقد الحكومة هذا الأسبوع لدرس موضوع العقوبات وإتخاذ الإجراءات المناسبة، علما أن هذا الإجتماع لن يكون سهلا نظرًا إلى مستوى التحدّيات التي تواجه أي موقف.

فخيار مواجهة العقوبات الأميركية على نائبين عن الأمّة اللبنانية (النائب رعد إستحصل على أكبر عدد أصوات تفضيلية في أخر إنتخابات 40 ألف صوت) سيضع الدوّلة اللبنانية بمواجهة الولايات المُتحدّة، وهي القادرة على سحق لبنان إقتصاديًا عبر العقوبات على قطاعه المصرفي ولكن أيضًا عبر رفع المظّلة الأمنية عنه.

أمّا خيار قبول العقوبات، فسيكون له تداعيات على الساحة السياسية الداخلية خصوصًا مع دعوة "حزب الله" الدوّلة اللبنانية لأخذ موقف رسمي من هذه العقوبات. وبالتحديد، نرى أنه في ظل هذا السيناريو سيكون هناك تعطيل سياسي كبير في ظل وضع إقتصادي مُتردّ.

في الواقع، هناك خيار ثالث نعتقد أنه الأكثر إحتمالا وينص على أن يقوم الرئيس برّي بلعب دوّر محوري مع حليفه "حزب الله" من جهة ومع الولايات المُتحدة من جهة أخرى. وفي ظل هذا السيناريو، لن تأخذ الحكومة اللبنانية موقفًا رسميًا وسيكون مبدأ "تدوير الزوايا" هو سيد الموقف. ويبقى القول أن نجاح هذا السيناريو مُرتبط بشكل أساسي بثقة اللاعبين الداخليين ببعضهم البعض.

على كل الأحوال يبقى القول أن إستقالة للنائبين رعد وشرّي هو أمر غير مطروح بالنسبة لـ"حزب الله" نظرًا إلى الخسارة السياسية التي قد يتكبّدها على الصعيد الداخلي.