آراء / تقارير

11 تموز 2019, 11:18
صحيفة الشرق الاوسط سعيد عبد الرازق
المحافظ المقال مسؤول عن أزمة تركيا؟

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن بلاده قد تواجه مشكلات خطيرة إذا لم يتم إصلاح البنك المركزي إصلاحاً تاماّ. وحمّل إردوغان محافظ البنك المركزي السابق مراد شتينكايا، الذي أصدر قراراً بإقالته يوم السبت الماضي، المسؤولية عن عجز الحكومة في التصدي للأزمات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، قائلاً لمجموعة من الصحافيين خلال عودته من البوسنة والهرسك نشرت أمس، إن شتينكايا اتخذ قرارات "دفعت تركيا ثمنها غالياً". واعتبر أن شتينكايا لم يوح للسوق بالثقة ولم يتواصل جيداً مع السوق.

وتسبب قرار إردوغان، الذي تضمنه مرسوم رئاسي بإقالة شتينكايا وتعيين نائبه مراد أويصال بدلاً عنه، في إثارة مخاوف واسعة في الأسواق بسبب الشكوك حول استقلالية البنك المركزي والقرار الاقتصادي في تركيا، وأدى إلى فقدان الليرة التركية نحو 3% من قيمتها وتراجع السندات التركية المقومة بالدولار.

وكان إردوغان برر إقالته رئيس البنك المركزي برفض استجابته لمطالبه بخفض سعر الفائدة، الذي تم رفعه في أيلول/سبتمبر 2018 إلى 24% بسبب انهيار الليرة التركية وخسارتها 30% من قيمتها، والارتفاع القياسي غير المسبوق في التضخم الذي تجاوز معدله 25% للمرة الأولى منذ 15 عاماً. ويتمسك إردوغان بأن خفض الفائدة يقود إلى خفض التضخم، خلافاً للنظريات الاقتصادية المتعارف عليها.

ويرى إردوغان، وصهره برات البيراق وزير الخزانة والمالية، أن خفض سعر الفائدة سيدفع عجلة النمو الاقتصادي في مواجهة الأزمة التي تواجهها البلاد، في ظل تقلب سعر صرف الليرة، فضلاً عن ارتفاع معدل التضخم، وضغطا مرات عدة على محافظ البنك المركزي من أجل تقديم استقالته، وعندما رفض الاستجابة للضغوط قام إردوغان بإقالته بموجب الصلاحيات الجديدة التي خولها له النظام الرئاسي الجديد، حيث أصبح بإمكانه إصدار مراسيم بتعيين وعزل كبار الموظفين دون الرجوع إلى البرلمان.

وعبّر إردوغان مراراً عن استيائه من الإبقاء على أسعار الفائدة، التي أعلن نفسه عدواً لها، عند معدل 24%، كما مارس ضغوطاً على البنك المركزي لتخفيضها من أجل ما يرى أنه إنعاش الاقتصاد؛ الأمر الذي رفضه البنك المركزي، الذي يعتمد على سعر الفائدة المرتفع في جلب الاستثمارات.

ومن بين أسباب تراجع قيمة الليرة العام الماضي، المخاوف التي أثيرت آنذاك بشأن استقلالية البنك المركزي، وذلك بعدما مارس إردوغان ضغوطاً لعدم رفع أسعار الفائدة من أجل الاستمرار في تغذية النمو الاقتصادي.

ويرى محللون أن رفع أسعار الفائدة ضروري بهدف مواجهة التضخم الكبير وتدهور الليرة التي لا تزال تواصل خسائرها. ورأت مجموعة "أشمور بي إل سي" في لندن، أن إردوغان يخاطر بدفع الاقتصاد التركي إلى انهيار مماثل لذلك الذي شهدته أميركا اللاتينية في ظل الأنظمة الشعبية، حيث تلقي الحكومة باللوم على المجموعات الأخرى؛ لأن هذا يفيد سياسياً، لكنه يجعل المستثمرين والشركات أكثر قلقاً.

وأضافت المجموعة، التي تدير أصولاً في الأسواق الناشئة يبلغ حجمها 85 مليار دولار، أنه رغم أن تركيا أكثر تنوعاً من الاقتصاد الفنزويلي الذي يعتمد على النفط، فإنها تسير الآن في طريق مشابهة للغاية، بسبب السياسة الخاطئة التي يمكن أن تنتهي بها إلى "الخراب". وقال جان ديهن، رئيس الأبحاث في أشمور، إن مراقبة رأس المال والتأميم والسياسات الأخرى المصممة لمنع القطاع الخاص من حماية ممتلكاته مع تدهور بيئة الاقتصاد الكلي هي "خطوات السياسة المنطقية" التالية التي ستتبعها تركيا.

وجاءت تصريحات ديهن بعد أن هزّ إردوغان الأسواق بإقالة محافظ البنك المركزي مراد شتينكايا، السبت الماضي، حيث لفت، بحسب ما نقلت وكالة "بلومبرغ" الأميركية بأن "المشكلة هي أن العودة إلى السياسات الجيدة لها تكاليف سياسية كبيرة للغاية، وكلما تأخرت هذه السياسات ارتفعت الكلفة أكثر؛ ولهذا السبب نادراً ما يغير السياسيون الذين يسلكون طريقاً غير مستقيمة، مسارهم، وغالباً ما ينتهون في أزمة".

ونفى المسؤولون الأتراك مراراً أي خطط لفرض ضوابط على رأس المال، وقالوا إنهم سيلتزمون بمبادئ السوق الحرة.

ولخص ديهن أعراض التراجع الاقتصادي في تركيا في 7 محاور رئيسية، وهو أن السياسات الاقتصادية السيئة تبدأ في انتزاع تكلفة سياسية، وبدل تحديد أسباب المشكلة الاقتصادية الأساسية، تقرر الحكومة مواجهة أعراض المشكلة مثل التضخم، وتباطؤ النمو، وضعف العملة، وتباطؤ الاستثمار، وفي الوقت ذاته تتجاهل الحكومة المشاكل الحقيقية ما يؤدي إلى تفاقمها. وتشمل هذه المشاكل السياسات النقدية السيئة والتدخل المتزايد، والفشل في تطوير أسواق التمويل المحلية، وانخفاض معدلات الادخار بشكل مفرط، والسياسات الخارجية السلبية.

وتابع، أن من هذه المحاور التهرب من المسؤولية، حيث تلوم الحكومة مجموعات أخرى، بحثاً عن مكاسب سياسية، لكن ذلك يجعل المستثمرين والشركات أكثر قلقاً لأن إردوغان سيحتاج إلى أكثر من كبش فداء مع تدهور الاقتصاد، وأنه مع تدهور التوقعات الاقتصادية، يبدأ المستثمرون والشركات في اتخاذ إجراءات للدفاع عن ثرواتهم ومصادر رزقهم، ما قد يؤدي إلى هرب رأس المال، وتراجع الاستثمار وغيرها من استراتيجيات التحوط.

وأضاف: "عندها تبدأ الحكومة في لوم القطاع الخاص واتهامه بسوء الأداء وتتخذ تدابير لمنع إجراءاتهم الدفاعية، بما فيها فرض ضوابط على رأس المال، والتأميم، والتحويل القسري للعقود، وبهذه الطريقة تصل الحكومة عملياً، إلى مرحلة تكون فيها عاجزة عن الوصول إلى التمويل، وتحقيق النمو وتفشل في استشراف المستقبل، ما يعني الغرق في أزمة بلا نهاية".