آراء / مقالات

09 تموز 2019, 09:38
صحيفة الشرق الاوسط مينا العريبي
الصور الإخبارية... بين الخصوصية والتوعية

هناك العشرات من القرارات على أي محرر لوسيلة إعلام اتخاذها يومياً، بعضها مصيرية، مثل قرار إرسال مراسل إلى ساحات القتال لتغطية مجريات حرب معينة، وأخرى نمطية مثل التوصل إلى قرار حول عنوان الخبر الرئيس الذي يتقدم الصفحة الأولى أو بداية النشرة الإخبارية. وربما من أكثر القرارات صعوبة قرار نشر صورة لشخص في وضع حرج وليس لدينا إذن مسبق من صاحبها، مثل صورة الطفل السوري آلان كردي التي انتشرت في أيلول/سبتمبر 2015 بعدما غرق في مياه المتوسط بينما كانت عائلته تحاول الهروب من الحرب السورية الطاحنة. صورة الطفل آلان، ووجهه في الماء ممد أمام عدسة كاميرا أحد المصورين المحترفين تصدرت الصحف العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي وأثارت ضجة إعلامية.

صورة جسده الصغير ذكّرت كل من رأها بجسد طفل عزيز على قلبه وتخيل معاناة عائلة آلان وكأنها معاناة عائلته. كيف أصبح من الممكن أن يقبل العالم بوفاة طفل بهذه الطريقة البشعة هروباً من حرب أكثر بشاعة دفعت عائلته لأقسى الخيارات؟ وبينما أدت الصورة إلى تعاطف عالمي مع معاناة الشعب السوري، إلا أن البعض احتج على نشرها؛ إذ اعتبروا أنه من غير اللائق استغلال الصورة من أجل جلب التعاطف، أو التوصل إلى قرار سياسي معين. هناك انتقادات توجه للإعلام أحياناً لاستخدامه الصور المؤثرة لجذب القارئ أو المشاهد ولكن في الواقع، الصور مهمة لسرد وقائع عالم متغير أحياناً تعجز الكلمات بمفردها عن رصده.

تكرر الجدل حول حق نشر الصور الأسبوع الماضي بعد أن نشرت صورة مشابهة لصورة الطفل آلان، وهي صورة لمهاجر سلفادوري يدعى أوسكار مارتينز، وكان مع ابنته البالغة من العمر عامين وقد توفيا خلال محاولتهما الهروب من المكسيك إلى الولايات المتحدة وهما يحاولان عبور نهر ريو غراندي. غرقا أمام عيني والدة الطفلة، وكانت هناك عدسة كاميرا لالتقاط اللحظة الفظيعة. غرقا ليذكرا العالم مجدداً بعبثية سياسات الهجرة التي تؤدي إلى موت من يحاول تأمين حياة أفضل لأطفاله بعد فقدان الأمل في بلادهم.

عادت إلى الأذهان صورة آلان الكردي وغيره من أطفال وعائلات عزل تسعى للوصول إلى بر الأمان، ولكن تواجه أشد المصاعب في رحلتها التي أحياناً تنتهي بالموت. ومثل آلان كردي، ظهر مارتينز وابنته وهما ممددان على وجهيهما في الماء، لا حول لهما ولا قوة. وقد أدان كل من بابا الفاتيكان البابا فرنسيس والمفوض السامي للاجئين فيليبو غراندي وضع الهجرة غير الشرعية، قائلا: "بعد أقل من أربع سنوات من وفاة كردي، نواجه مرة أخرى أدلة مرئية قوية على موت أشخاص خلال رحلاتهم الخطرة عبر الحدود".

انتشرت هذه الصورة في الصحف الدولية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن البعض انتقد عدم احترام خصوصية العائلة وعدم أخذ إذن والدة الطفلة في نشر الصورة. الغرض من النشر هنا هو ليس الإثارة من أجل الإثارة، بل الإثارة من أجل تحريك ضمائر المعنيين ولتذكير القراء والمشاهدين بمسؤوليتهم في الدفاع عمن ليس لديه صوت أو سند. هنا قرار المحرر أو مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي يأتي ضمن ضرورة التوعية ونقل الخبر.

وبالطبع هناك نماذج عدة ومختلفة حول قرار نشر الصور. فعلى سبيل المثال، صور شخصيات عامة أو مشاهير عادة ما تنتشر بسرعة ولديها رواج بين القرار والمشاهدين. إلا أن الكثير من هذه الشخصيات يفضلون عدم نشر صورهم من دون اذن مسبق لاحترام خصوصيتهم. هذه قضية أخرى ومختلفة عن نشر صور الضحايا أو العزل، إذ إن الشخصية العامة تحصل على امتيازات معينة مقابل العيش تحت عدسات الكاميرات. وهنا عادة ما تحكم قوانين الخصوصية قرار النشر أو عدم النشر.

ولكن في بعض الأحيان، هناك قرارات سياسية بحتة تحكم قرار نشر صور لمسؤولين سابقين أو مجرمين قتلوا. على سبيل المثال قرار نشر صورة جثماني ابني الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، عدي وقصي، بعد مقتلهما. الجيش الأميركي حينها قال إن النشر ضروري لإثبات مقتلهما، وقررت الصحف العالمية نشرها لغرض تأكيد الخبر ولأن الكثير من وسائل الإعلام لم ترغب في أن تكون الوحيدة بعدم نشر الصورة. بينما عدم التقاط صورة لزعيم "القاعدة" أسامة بين لادن بعد مقتله في أيار/مايو 2011 كان أيضاً قراراً سياسياً؛ إذ لم ترِد الولايات المتحدة أن يظهر جثمانه ملطخاً بالدماء بعد مقتله، ولكن هذا القرار جعل البعض يشككون في مقتله إلى يومنا هذا.

في عصرنا الحديث، الجميع يحمل هاتفه الجوال، ويلتقط صوراً شمالاً ويميناً. ولم يعد قرار التقاط الصورة للمصورين المحترفين ولم يعد قرار نشرها للمحررين فقط، بل كل من لديه صفحة على منصات التواصل الاجتماعي، ولدى كل منا مسؤولية في قرار التقاط الصور ونشرها.

في النهاية، العامل الأهم الذي يجب أن يحكم قرار نشر صورة ما يعود إلى غرض نشر تلك الصورة أساساً. إذا كان الغرض هو للتوعية العامة أو لـ"الصالح العام"، مثل نشر صورة الطفل آلان كردي لحث العالم على عدم نسيان معاناة الشعب السوري، فمن الممكن تبرير هذا القرار. ولكن إذا كان الهدف الإثارة من أجل الإثارة وبيع الصحف أو الحصول فقط على أكبر عدد ممكن من القراء أو المتابعين لصفحة تواصل اجتماعي، فهذا عدم احترام لحرمة الخصوصية وفي بعض الأحيان عدم احترام حتى لحرمة الموت. والمسؤولية نفسها تقع على عاتق أي شخص كان يحمل معه هاتفاً جوالاً أو لديه صفحة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي ولديه القدرة على نشر صورة يعاد نشرها تكراراً. الخصوصية من حق كل شخص... ولكن التوعية وعدم نسيان المظلومين حق مهم أيضاً.