EXCLUSIVE

08 تموز 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
نقاط تحول حاسمة...

إيران تتحدّى الولايات المتحدة وتبدأ برفع تخصيب اليورانيوم إلى مستوى يفوق حدود الـ3.67%، لتخرق بذلك إلتزامات سابقة لها بخفضه وفقا للإتفاق النووي الموقع عام 2015. وردا على العقوبات الأميركية، قرّرت طهران خرق المستوى المسموح لها وهو 300 كيلوغرام لمدة 15 عاما، لتواجه بذلك حدّي الإنعكاسات: الأول، الضغوط الأميركية عبر تضييق الخناق على مصادر تمويل النظام الإيراني وتجفيفها واستهداف أنشطته الإقليمية والدولية. والثاني، الأزمات الإقتصادية المتزايدة نتيجة العقوبات التي تستهدف صناعة النفط الإيرانية وصادراتها التي تُشكّل العمود الفقري للإقتصاد والمصدر الرئيس للدخل والعملات الأجنبية في البلاد. وقد ترجم ذلك بتدهور مستمر للريال الإيراني، وإرتفاع معدلات الفقر والبطالة والتضخم والأسعار، ونقص السلع والحاجات الرئيسة التي لا تكاد تغطي نصف إحتياجات الشعب الإيراني.

تركيا تتحدّى الولايات المتحدة بسبب شرائها منظومة دفاع صواريخ "إس 400" الروسية، وقد تتجاوز مهلة نهاية الشهر الجاري للتراجع قبل أن تنفّذ واشنطن تهديدها بمزيد من العقوبات التي من شأنها تضييق الخناق على إقتصاد متباطئ وعملة متقلبة وتضخم مرتفع، مما أشعل خلافا بين الحكومة والبنك المركزي إنتهى بمرسوم رئاسي من "السلطان" رجب طيب إردوغان بإقالة المحافظ مراد تشيتينكايا بقرار مفاجئ للأسواق رغم عطلة نهاية الأسبوع. وكان البنك المركزي تعرّض لضغوط من أردوغان بعدما سلبه "إستقلاليته"، بغية خفض أسعار الفائدة لإنعاش إقتصاد ينزلق نحو الكساد بسرعة. 

فالإقتصاد التركي يمرّ بظروف صعبة، إذ شهد في الـ2019 أول ركود له منذ 10 سنوات، وإرتفع التضخم إلى 20% فيما فقدت الليرة التركية نحو ثلث قيمتها أمام الدولار في 2018، وإرتفع سعر الفائدة إلى 24%. ووفق إتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية، إرتفع معدل إغلاق الشركات خلال أيار/مايو بنسبة 20.94% شهريا، إذ أقفلت 878 شركة وإنخفض عدد الجمعيات التعاونية بنسبة 36%. 

لبنان يتحدّى نقطة "التحوّل الحاسمة" التي يمرّ بها إقتصاده. آخر الشهادات صدر عن رئيس "مجموعة العمل الأميركية من اجل لبنان" إدوارد غابرييل في مقال أوردته صحيفة "ذا هيل" الأميركية قبل أيام. فالمجموعة التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، لم تجد "إجماعاً حكوميا على الإجراءات الصعبة اللازمة لمنع الإقتصاد من الإنهيار"، وتأمل فقط أن تتفهم الحكومة خطورة الوضع "وتتصرف بسرعة". فبالكاد سجل لبنان معدل نمو بلغ 1% خلال الـ2018، ولديه رابع أسوأ نسبة ديون إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم، وهو في أسفل التصنيف العالمي لتطوير البنية التحتية، ويبلغ عجزه نحو 5 مليارات دولار سنويًا، مما سيرفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 200% في غضون سنوات. أما تصنيفه الإئتماني فآخذ في الإنخفاض، وهذا يضعف الثقة في جذب الإستثمار الأجنبي.

خلاصة لم يتكبّد فريق المجموعة الأميركية الكثير للوصول إليها. جولة نقاشات وقراءات في التطورات أفضت إلى تكوين صورة للمشهد الإقتصادي: "صمّم البنك المركزي سياسة نقدية يعتقد العديد من الخبراء أنها اشترت البلاد لسنتين أخريين تمهيدا لوضع سياسة مالية قوية قبل أن يصل الإقتصاد إلى القاع. هناك محورين للأزمة: تنامي العجز العام نتيجة الأزمة المالية للمؤسسات العامة، والإفتقار للشفافية الحكومية. يعتقد الكثيرون أن المسألتين مترابطتان، ويمكن حلهما إذا أدركت الحكومة أنه لم يعد بإمكانها وضع المصالح الشخصية على مصالح البلاد، ويجب أن تتوصل إلى توافق لتلبية شروط "سيدر" بتصويب أدائها عبر إعتماد المزيد من الشفافية في مناقصات مفتوحة لمشاريع البنى التحتية مثل الكهرباء والطرق وخصخصة المؤسسات الحكومية كالموانئ والمطار والاتصالات، وإنشاء الهيئات الناظمة والخروج من المؤسسات التي تديرها". 

قطاع الكهرباء تحت الأنظار. فخصخصته تساعد في خفض العجز وتقطع دابر الفساد في قطاع تدعمه الحكومة بنحو 1.5 مليار دولار سنويا، أي بما يوازي ربع العجز. "ستكون خصخصة إنتاج الكهرباء بداية جيدة، إذا تم تنفيذها بشفافية ووفقًا للمعايير الدولية".

يدرك الفريق الأميركي أن الشيطان يكمن التفاصيل. ويقول غابرييل "لقد وجدنا أن المجتمع السياسي اللبناني عمومًا، والحكومي تحديدا، لا يفقه تماما تفاصيل المشاريع المختلفة، ويفتقر حتما إلى اتفاق في شأن ما يجب القيام به. فبعضهم يريد ترك جزء من عملية صنع القرار للمؤسسات العامة التي ستخضع للخصخصة، بينما يرغب بعضهم الآخر في توجيه قروض "سيدر" مباشرة إلى القطاع الخاص وليس إلى الحكومة، من أجل بناء المرافق المخصخصة وتشغيلها، على ان تنشئ الحكومة سلطات ناظمة مستقلة لتنظيم العمليات والتسعير. لكن، ثمة من يرى ضرورة أن تُمنح القروض دون قيود، وهذا يعني دون إصلاحات. يقولون نحتاج وقتا للتوافق. ومع مهلة السنتين فقط، لا يمكن حدوث تغيير حقيقي. يتجادلون حول أولوية الإنقاذ من العجز قبل الإصلاحات". 

"لا يمكن تنظيف منزل بممسحة قذرة"، هذا ما نقله غابرييل عن "أحد المسؤولين الذين التقيناهم"، معتبرا "أنهم كانوا يحاولون تغيير الذين يفيدون من النظام القديم لممارسة أعمالهم الخاصة. هل من حلّ وسط؟ لقد حان الوقت ربما لكي يبادر المجتمع الدولي والولايات المتحدة وفرنسا، للتوصل إلى تفاهم واضح مع شركائهم اللبنانيين حول الجوانب التفصيلية لتوقعات المانحين، وفهم الحالة الضعيفة للإقتصاد اللبناني.

"الوقت هو جوهر المسألة"، عبارة ذيلت نهاية مقال غابرييل تاركا خلفه تساؤلات كثيرة عما خلفّته جولة بيروت من وعي وإدراك لدى مسؤولين يتلهّون بسموم شلّت مناخ التوافق، وعطّلت إجتماعات حكومة كان يفترض أن تكون في "حال طوارئ" لإنجاز موازنة 2019... وهي أول الخطوات الإصلاحية لا خاتمتها!