EXCLUSIVE

24 حزيران 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
..لبنان يرقص على أنغام التوتر

نادرا ما بلغ التوتر في الإقليم الخليجي هذا المستوى الذي أقلق المنطقة، لا بل العالم. فالحرب لاحت منذرة بتفجير جديد تتشابك فيه القدرات بالتهديدات، والمصالح بالتحالفات، لتهدّد ما بقي من إقتصادات لم ينتهك برميل النفط حرمتها، ليحرمها من معدلات نمو أوقفت بتراجعها الدراماتيكي المستمر منذ نحو عقد كامل، كل أنماط الإزدهار والبحبوحة.

مَن يمسك بمفاتيح الأزمة في الخليج؟ هل هي طهران المهدّدة بحرمانها من 50 مليار دولار جديدة، إن غلّبت واشنطن خيار توسيع العقوبات بديلا من الحرب العسكرية؟ أم هي واشنطن اللاهثة لإنجاح "صفقة القرن" التي إفتتحت مغرياتها بـ50 مليار دولار كإستثمارات في صندوق عالمي لدعم إقتصادات فلسطين ولبنان ومصر والأردن؟ 

"الإقتصاد أولا"، هو الدعامة الأساس لخطة إدارة دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، المنطقة المنهكة بمؤثرات سلبية غلّبت العجوزات المالية على النمو الاقتصادي، ودفعتها إلى سقوف غير قابلة للمعالجة، وخصوصا إن غُيّبت الإرادة الصادقة والشفافة لإصلاحات هيكلية وبقيت مكافحة الفساد ومحاسبة المفسِدين شعارات إعتادها العالم العربي منذ نشأته. 

لبنان يرقص على أنغام التوتر، ويوشك على السقوط في تصنيف CCC الذي تلوّح به وكالات التصنيف العالمية، تبعا لتطوّر الأداء وإنحراف الإقتصاد عن مسار التعافي. توقعات متشائمة للتصنيف السيادي، ومرتقبة في أسابيع مع أثقالها وكلفتها على الأحوال الاقتصادية والمالية، وهي تستند إلى وقائع أداء حكم قدّم نموذجا سيئا في درس الموازنة. فهل سيستكين المجتمع الدولي إلى مشاريع لبنان المستقبلية، وهو يراقب يوميا أسواق المال التي تشهد دوما على إرتجاجات ناجمة عن تزايد المخاوف في شأن ماليته العامة؟

ففي الأسبوع الماضي، إتسعت هوامش سندات لبنان الدولارية تأثرا بالمشهد الداخلي إثر هبوط شديد في أسعار سندات الخزينة اللبنانية، بما دفع المستثمرين إلى ترجيح خيار "حاجة السلطات للجوء إلى إعادة هيكلة الديون"، وفق ما أوردت شركة الأبحاث الاقتصادية الرائدة "كابيتال إيكونوميكس" في تقريرها الأسبوعي الصادر قبل يومين، "بينما يرصد المستثمرون المشاحنات السياسية في بيروت والتشنجات الإقليمية التي تتصاعد وتيرتها في الخليج". 
 
جزء من هذا قد يعكس مخاوف المستثمرين من وقوع لبنان عند مفترق طرق، ما بين السعودية وإيران. "وسيكون ذلك مضرّا بوضوح. وإن أوقفت دول الخليج دعمها المالي للبنان وفرضت عليه عقوبات، فقد يكون هذا سبب حدوث أزمة اقتصادية كاملة. حتى إذا تمّ تجنب الصراع الإقليمي في نهاية المطاف، فمن المحتمل أن يصبح المستثمرون قلقين بشكل متزايد في شأن قدرة الحكومة على الدفع بالتقشف المالي"، وفق "كابيتال إيكونوميكس". 

لم ينبهر المجتمع الدولي بإنجازات لبنان ومآثر إقرار موازنة أنفق أكثر من نصفها على القاعدة الإثني عشرية. وهو يدرك إستنادا إلى التجارب الماضية، أن التخطيط لا يتلاءم والواقع طالما إنعدمت الإرادة السياسية الصادقة لإصلاح ما دمّرته المناكفات والمشاحنات وسياسة تقاسم مغانم السلطة. لقد بلغ المجتمع الدولي ما حدّدته الحكومة من أهداف: خفض عجز موازنة 2019 من 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2018 إلى 7.6% من الناتج. إصلاح قطاع الكهرباء وتصويب وضع "كهرباء لبنان"، رغم أن النجاح في ذلك "غير كاف لوضع المالية العامة على أسس أكثر إستدامة". فلبنان لم يتخلّف يوما عن سداد إستحقاقاته المالية (ديونه)، لكن مع تضخم الدين العام وإرتفاعه إلى نحو 160% من إجمالي الناتج المحلي -ثالث أعلى نسبة في العالم- وتعثُّر الاقتصاد الحقيقي في البلاد، يخشى المستثمرون أن الوقت بدأ ينفد. وهذا ما أشاع منذ نحو عام، مقولة "لبنان لا يملك ترف الوقت". 

وفي تمويل العجز الكبير في الموازنة، يرى المجتمع الدولي أنه يتعيّن على الحكومة تحويل الديون إلى نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية عام 2021. إذ أن ارتفاع تكاليف الاقتراض على مدى الـ18 شهرًا الماضية، يؤكد أن وضع الدين يبدو غير مستدام بشكل متزايد. "لذا، ما زلنا نعتقد أن السبيل الوحيد للخروج من مشكلة ديون لبنان، هو إعادة الهيكلة"، تقول "كابيتال إيكونوميكس"، لأن إصلاحات الموازنة وإرغام المصارف على الإكتتاب بنحو 7 مليارات دولار بفائدة 1% لإعادة تمويل سندات الخزينة بفوائد أقل، ستبقى غير كافية لإحداث تغيير كبير في مسار الدين، وفق محللين في وكالة "موديز" للتصنيف الإئتماني.

فلا مليارات "سيدر" ولا غيرة أصدقاء لبنان قادرة على تصويب الإنحراف السياسي عن أبسط المبادئ والأصول. فكيف يخرق السياسيون سياساتهم بأنفسهم؟ في ظل قرار منع التوظيف في القطاع العام، لم يتوانَ هؤلاء عن توظيف ما يفوق الـ5 آلاف أو 10 وربما 15 ألفا وأكثر... والمشكلة أنه بعد إنكشاف القناع الشعبوي، ما زال التوظيف قائم بالعشرات هنا وهناك، رغم أن شعار الإصلاح ومكافحة الفساد سيحتلان كما العادة، مناقشات الموازنة في مجلس النواب قبل إقرارها! 

لبنان الواقع بين نارين، سيبقى الخاسر الأكبر حتى ولو هدأت جبهة طهران-واشنطن مؤقتا. فترامب مصرّ على منع إيران من الحصول على سلاح نووي، وسيفرض بدءا من اليوم عقوبات جديدة "مشددة" عليها. لذا، لا عجب من إلتهاب أسعار النفط التي بدأت بـ5% دفعة واحدة الأسبوع الماضي، إن بقي الدولار في أدنى مستوياته في 3 أشهر، وفق تعاملات نهاية الأسبوع، متضررا من توقعات بقرب مجلس الاحتياطي الاتحادي تطبيق خفض أسعار الفائدة. 

لا يملك لبنان ترف الوقت... فهل يتنبّه ويعي خطورة خفض تصنيفه السيادي إلى مستويات تزيد كلفة فواتيره الباهظة؟