EXCLUSIVE

17 حزيران 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
إقتصاد لبنان ليس بهذا السوء!

من بحر عُمان الهائج عسكريا، تنطلق أسعار النفط العالمية نحو مستويات جديدة يستحيل التكهّن بإتجاهاتها، إستقرارا أو إرتفاعا، إنسجاما مع وجهة الإضطراب الذي يتحكّم بمواقف دول المعسكرين الجديدين اللذين يفرضان إصطفافا جديدا بات يتحكم بمصير العالم.

إرتفاع الـ3% في سعر برميل النفط الذي أعقب سقوط ناقلتي النفط في فخّ التوتر الطارئ ردّا على تشدّد واشنطن بمعاقبة طهران، ليس مؤشرا أكيدا على إمكان انزلاق منطقة الخليج العربي "مصادفة" إلى حرب مضادة لكل المساعي الديبلوماسية الهادفة إلى ضبط منسوب التصعيد ضمن حدود قابلة للتحكّم حفاظا على دورات إقتصادية، تبقى مرشحة لتسجيل معدلات نمو خجول، وإن إستحكم فيها التباطؤ ومَالَ بعضها إلى الركود منذ تفجرّت أزمة المال العالمية في الـ2008.

ليس غريبا أن يتفشّى التوتر في بيئات حاضنة في الإقليم الواقع بين واقع العقوبات الأميركية على إيران وبين معدلات إنتاج "أوبك" التي تجهد لـ"دوزنة" سوق الأسعار تبعا لحجم الإنتاج، حيث تأمل الرياض في التوصل إلى توافق بشأن تمديد إتفاقها على خفض الإنتاج خلال إجتماعها في الأسبوع الأول من تموز/يوليو في فيينا. ترجمات كثيرة نقلتها مواقف تهديد وتطمين، تبقى مفتوحة على مسارين سيكون لهما تداعيات كبيرة على العالم، لا سيما في مجالي الإقتصاد والطاقة، وسط دعوات إلى حماية مضيق هرمز، الممرّ الإستراتيجي الذي يعبره يومياً نحو ثلث إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

رسائل الإستغاثة التي وجهتها "فرونت ألتاير" و"كوكوكا كريجس" لم تقطع طريقهما إلى موانئ آسيوية فحسب، بل أخذت في طريقها قنوات التفاوض "السرية" التي فُتحت قبل أسابيع بين طهران وواشنطن، عقب إنقطاع التواصل منذ أن خرج دونالد ترامب من الإتفاق النووي عام 2015 وأعاد فرض عقوبات متشددة أفضت إلى عزل إيران عن الإقتصاد العالمي... فردّت بالبدء في تخصيب اليورانيوم بشكل أكبر من الحجم المحدّد، وربما بإفتعال سلسلة توتر جديدة، كان آخر مآثرها تفجير ناقلات نفط راسية في ميناء الفجيرة الإماراتي.

مَن يقوم بتفجير السفن في الخليج؟ سؤال لم يقتصر على مجلة "إيكونوميست" التي رأت ان هناك لعبة غامضة وعنيفة قد تقود إلى الحرب. فالجميع يسأل، ليس رغبة في كشف الحقائق وحدها، بل أيضا لإستطلاع مستقبل قريب سيفرض حتما إعادة تموضع جديدة، أقله في دول تقف في منتصف الطريق ما بين المسارين المتضادين، ولبنان منها، لتحدّد حجم خسائر ستضاف حتما إلى لائحة ما تختزنه تراكميا في جعبتها، وفي مقدمها أزمة الدين العام اللبناني التي ستكون محور لقاءات "بعثة المادة الرابعة" في صندوق النقد الدولي التي تزور بيروت هذا الأسبوع تمهيدا لإصدار تقريرها السنوي، فيما سألت مجلة "فوربس" قبل يومين عن كيفية تفادي أزمة الدين.

"التوقعات الإقتصادية للبنان ليست بالسوء الذي قد يعتقده البعض". هكذا بدأ تقرير "فوربس"، ليعتبر أن ذلك يمثل فرصة للمستثمرين لشراء سندات الحكومة اللبنانية بخصم كبير محتمل. لكن المشكلة قد تحين مع خفض التصنيف السيادي للبنان "إلى حال غير مرغوب فيها"، أي إلى مستوى CCC الذي يُمنح لدول معرضة للتخلف عن سداد ديونها، وهو أقل من درجة B- التي منحتها "ستاندرد أند بورز" للبنان أخيرا، وقد يحافظ عليها إن لم ينجذب إلى صراع أوسع في الشرق الأوسط. فلبنان يعتمد سياسة خارجية محايدة، ولا يراه المجتمع المالي حتى الآن منحازا لأي طرف. لكن، هل يُجمع على إنحيازه لحلّ أزمته المالية؟ 

المشكلة الأكبر هي في الدين العام الذي فاق 152% من الناتج المحلي الإجمالي، "والذي نجم عن زيادة الإنفاق الهائل من قبل الحكومة"، وفق "ترايدينغ إيكونوميكس" التي لفتت إلى أن العجز المالي إرتفع إلى 11% من الناتج في 2018، وخفّضه مشروع موازنة 2019 إلى 7.6%... فهل سيخرج من مجلس النواب بهذه النسبة؟ وهل ستصحّ توقعات السلطة لسنة مالية إنقضى نصفها متسما بأزمة تباطؤ شديد؟ 

"الحل في متناول اليد"، قال كبير الإقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي غربيس إيراديان في تقرير صدر قبل نحو أسبوعين. ففي حين يبدو الأمر بهذا السوء، "إلا أن السوق يفتقد شيئًا ما. هناك حل للأزمة المالية، وآفاق تنفيذها تبدو جيدة. ويجب أن يؤدي ذلك إلى إرتفاع أسعار السندات بما يتماشى مع تحسّن التصنيف الإئتماني للبلاد". 

لا شكّ في أن حزمة "سيدر" مرتبطة بتنفيذ رزمة إصلاحات إقتصادية تبدأ بتطبيق موازنة 2019 في ما تبقى من العام وإلتزام الحكومة "تجميد التوظيف في القطاع العام"، الذي يتوقع معهد التمويل الدولي، تقاعد نسبة 16% من موظفيه بعد أربع سنوات، "مما يوفر فرصة جيدة لإعادة تنشيطه ويقلّل حجمه ويعزّز كفاءته من دون اللجوء إلى صرف العمال". وأكثر، يبدو المعهد متفائلا حين يفترض "أن تتخذ السلطات إجراءات حاسمة لمحاربة الفساد وتحسين الإلتزام الضريبي". 

المشكلة أن العالم كان ينتظر إقرار موازنة 2019 بداية هذا الشهر. لكن، عراضات لجنة المال والموازنة المتواصلة للأسبوع الثاني بعد الجلسات العشرين للحكومة، إستمهلت تصويت الهيئة العامة إلى ما تبقى من حزيران/يوليو، لتنتصف السنة على مؤشرات سلبية لقطاعات ما عادت منتجة منذ أن ضربها الشلل، وقد لا يكفيها النصف الثاني لتعويض ما فاتها من دورات نشاط ونمو. المهم أن موسم الصيف سيكون حارّا سياحيا وفق التوقعات، لكنه حتما لن يحلّ المشكلة طالما بقيت النوايا على "زغلها" والرغبات على جشعها..