EXCLUSIVE

27 أيار 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
موازنة من خلف القضبان!
بعد 19 جلسة ماراتونية، خرج مشروع الموازنة من بيت حكومة سعد الحريري إلى قصر بعبدا، حيث يطرح اليوم كل أوراقه بخباياها وكشوفاتها، ليؤكد إنجازا تحقق بخفض العجز العام من 11.3% من الناتج المحلي لعام 2018 إلى 7.6% لموازنة 2019، بعدما طوّعها في خدمة مندرجات مؤتمر "سيدر" بقروضه لا إصلاحاته!
 
فعلا، يستحقّ أهل السلطة في لبنان كل الثناء.. فالنقاشات الوزارية حُكمت بمناخات ساخنة ألهبها قرع "طبول الحرب" التي رفعت منسوب التوتر ما بين إيران وأميركا، وأطلقت العنان لتهديدات عسكرية معزّزة بقرار الرئيس دونالد ترامب إرسال 1500 جندي إضافي مزودين بمعدات حربية وأسلحة حديثة في "مهمة وقائية" لردع أيران، بعد تحميلها مسؤولية الإعتداءات على سفن في خليج عُمان، والهجوم الصاروخي قرب مقر السفارة الأميركية في بغداد. 
 
هل هذه ملامح مخاض "صفقة القرن" ومفاعيلها التي تبدأ بالتوطين ولا حدود لخواتيمها؟ المهم أن إيران ردّت على التصعيد بالتهديد، مستهدفة إغراق السفن الحربية الأميركية (حاملات طائرات وقاذفات "بي 52") في الخليج العربي بإستخدام "أسلحة سرية". والمهم أيضا، أن لبنان أعلن رفضاً موحدا لأي توطين، ناعيا صفقة حُضّرت بعجل على خط تلّ أبيب - واشنطن، ومتمسكا بموقفه من ترسيم الحدود البرية والبحرية وبكل حقوقه في إستكشاف ثروته الغازية والنفطية!
 
من الحسن أن يكون للبنان موقف موّحد من القضايا الخارجية. لكن، لمَ يتعذر الأمر على المحلي منها؟ وهو يدرك أن موازنة 2019 الخالية من أي إجراء لمكافحة الفساد أو الإصلاحات، هي التي ستفتح أبواب "سيدر" وقروضه لتنفض البنية التحتية في إقتصاد متهالك، بعدما أكلها الغبار ودبّ فيها العفن مع غياب عمليات الإستثمار والصيانة لعقود خلت، فترهلت وأصابت مناخ الأعمال في مقتله. 
 
19 جلسة حكومية ونقاشات وزارية حامية، رافقتها ثرثرات أثارت حفيظة القطاع العام والعسكر القديم ودفعتهم إلى الشارع إحتجاجا. الجمعة الماضي، نجح المتخاصمون في الإتفاق على إخراجٍ لموازنة 2019، وهو إنتصار للبنان، كما قال وزير المال علي حسن خليل، لأنه "لو أردنا الوصول إلى ما دون هذا الحدّ في هذه الظروف الصعبة، لكانت النتيجة ستأتي حتمًا على حساب ذوي الدخل المحدود، وهذا الأمر لم يكن في وارد الخوض به".
 
لكن، ما إقتُطع قد إقتُطع وما أُعفي قد أُعفي... فالكلام كثير عن شوائب مالية لا تزال تشكّل عيوبا في الأداء الحكومي. أما التحفظات، فأكثر بكثير، لأن ما هُرّب في اللحظات الختامية يبقي الوجع في خاصرة "مكافحة الفساد والهدر".. رغم كل التصريحات والإيحاءات بأن هذا "أفضل الممكن" في هذا الوقت العصيب!
 
قد تكون الحكومة اللبنانية أغفلت البنود الإصلاحية التي تعهدّت بها قبل عام كامل في مؤتمر "سيدر"، وغرفت من خزينة الدولة لتغني جيوب منتفعين بصفقات تخالف الأصول والقوانين، وتوّظف ناخبين (32 ألف وظيفة وهمية!!) وتهدر المليارات في صناديق مؤسسات كانت هي أعلنت رغبتها في إقفالها، وتشجع التهرّب الضريبي والجمركي، وتشرعن معابر غير شرعية، وتكافئ المعتدين على الأملاك البحرية.. هي عينة من ممارسات مسؤولين يحارون في تحديد موقع لهم، في المعارضة أم الموالاة. لكن، هل تسمح الدول المانحة بهذا التغاضي؟ وهل يشيح البنك الدولي الذي يتحمّس لصرف أول مليار دولار للبنان، نظره عن تلك التمريرات؟
 
قد يكون من المفيد تذكير الجميع بما تضمنته إصلاحات "سيدر"، وهي مفتاح النمو الإقتصادي السليم والسبيل الأوحد للخروج من عفن الفساد. إذ تتضمن وثائق برنامج الإصلاح-"الرؤيا من أجل الإستقرار والنمو والعمالة" وخطة الإستثمار الرأسمالي- وفق أبحاث للمركز اللبناني للدراسات، 73 تدبيرا موزّعا على 5 مجالات للسياسات:
1- 32 تدبيرا قطاعيا يغطي الكهرباء، والنفايات الصلبة، والإتصالات، والنقل والمياه.
2- 23 تدبيرا ضريبيا يتصل بتحسين جباية الضرائب وتقليل الثغرات، تحسين شفافية الموازنة، إدارة الدين العام، والخدمات الإلكترونية لوزارة المال.
3- 11 تدبير حوكمة تغطي مشتريات القطاع العام، تحديث القطاع العام وإعادة هيكلته، والتحويل الرقمي للحكومة.
4- 4 تطويرات في القطاع الخاص تعالج تحديث الوضع القانوني للشركات، وإعتماد قانون للمعاملات الإلكترونية وحماية البيانات الشخصية، وتحويل بورصة بيروت إلى شركة مساهمة.
5- 3 إصلاحات قضائية تركّز حصرا على مكننة العمليات، والإجراءات القضائية وتعزيز قدرات المؤسسات القضائية.
 
هي إصلاحات كان يؤمل في أن تتصدّر السياسة الإقتصادية للبلاد لا أن يقتصر حضورها في أوراق "سيدر" وبعض من باطن موازنة لم تقارب مكافحة الفساد لا شكلا ولا مضمونا. يحتاج اللبنانيون من هذه السلطة إلى كل ما يدحض كل تشكيك، ويطمئن كل خوف، ولا يتيح إنسياب سيل الشائعات المدسوسة لتنال من صمود الليرة ومدخرات عمر ومناعة مصارف تحارب على جبهة الحفاظ على الثقة والسمعة والإمتثال. 
 
اليوم، يحين إستحقاق وقوف مشروع الموازنة أمام الحقيقة. من قصر بعبدا إلى مجلس النواب، هي مسيرة متبقية، وفرصة أخيرة لإسقاط كل ما يلوّث محاولات الدفاع عن الإقتصاد ولقمة الشعب. الجميع المسؤول مستعجل لإقرار الموازنة، وهذا إستحقاق يفترض إلتزامه، لكن بأي ثمن؟ لعل المراجعة الأخيرة توقظ الضمائر النائمة وترشد السلطة إلى عقال تفلّت طويلا، لئلا تأتي الموازنة من خلف قضبان الإلتزامات والحسابات والرهانات..