EXCLUSIVE

20 أيار 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
لبنان بحاجة فعلا لهذه الموازنة..
بعد نحو 15 جلسة لمناقشة موازنة 2019، أدركت الحكومة اللبنانية أنها تقود البلاد بمشروعين سياسيين لكل منهما رؤية إقتصادية مرتبطة بمناخ الإضطراب الشرق الأوسطي... رغم "التسوية" التي أتاحت تعبئة شغور الرئاسة الأولى ومقاعد السلطتين التشريعية والتنفيذية.
 
ربما تكون "ورقة باسيل" هي التي كشفت مستورا حاول طويلا أن يستتر تحت عباءة تمرير الإستحقاقات الدستورية في مرحلة حرجة لمنطقة مقبلة على "صفقة القرن"، رغم أن لبنان موجود مجددا عند مفترق طرق، "وهناك حاجة إلى تدابير مؤلمة حفاظا على الإستدامة المالية وإعادة بناء الثقة والمحافظة على إستقرار سعر الصرف مقابل الدولار".
 
بهذا التوصيف، قدّم معهد التمويل الدولي تقريره الأخير عن لبنان بعنوان "حان الوقت لإثبات المصداقية"، معلقا الآمال على "أجندة الإصلاح المالي وفق مشروع موازنة 2019، التي يرجح أن تعدّ طريقا واعدا نحو ضغط عبء الديون الكبير والضعف المالي للبلاد". لكن، هل يسير لبنان فعلا نحو الإصلاح المالي؟
 
يبدو جليا لمتتبعي جلسات مناقشة مشروع الموازنة، إفتقار الحكومة إلى نظرة واحدة لمستقبل المالية العامة الواقعة تحت ضغوط "سيدر" لضبط العجز المتنامي وخفضه بمعدل 1% على مدى خمس سنوات. أيضا يبدو جليا، أن النظرة إلى الإصلاح تختلف ما بين "عرّاب الموازنة" أي وزير المال علي حسن خليل الذي قدّم مشروعا حسابيا خاليا من أي رؤية إقتصادية، وبين "عرّاب التغيير" أي وزير الخارجية جبران باسيل الذي يطالب اليوم بإستراتيجية شاملة للحكومة، بدليل ردّه من الكورة السبت الماضي على إتهامه بـ"تأخير الموازنة لأنهم يريدون موازنة عادية... وليس مقبولا العمل لمعالجة العجز في مقابل رفض تغيير الأرقام والسياسة الإقتصادية". وأكثر، عبّر عن نظرة تياره الإصلاحي إلى مؤسسات عامة، بينها كازينو لبنان و"الميدل إيست"، ليتأكد وقوع أهل البيت في محظور الخلافات مجددا...
 
وعلى جانب الرعاية، يحاول رئيس الحكومة سعد الحريري لمّ شمل التوافق الحكومي تجنبا لإنفراط عقد "سيدر" وقروضه الإصلاحية. وربما تكون عظة أفطار نهاية الأسبوع هي الأكثر تعبيرا، إذ قال: "عندما يتحوّل مجلس الوزراء إلى متاريس سياسية تتعطل السلطة التنفيذية وتتوقف الدولة عن العمل"...
 
هذا العمل المطلوب تسريعه لا تسرّعه لإقرار موازنة قبل أن ينقضي العام، فتصبح إنجازا فارغ المضمون. "يتعين تنفيذ تدابير جدية لتعزيز الإيرادات، مصحوبة بخفوض كبيرة في النفقات غير المنتجة. يهدف التعديل المالي المتوخى إلى تحويل العجز الرئيس إلى فائض كبير من خلال تبسيط النفقات بطرق تقلل من التأثير السلبي على الفئة الأكثر فقراً من المجتمع، على أن يتلاءم مع هدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي بشكل كبير على الأمد المتوسط. نفترض أيضًا أن السلطات ستتخذ إجراءات حاسمة لمحاربة الفساد وتحسين الإلتزام الضريبي"، يقول تقرير المعهد الدولي.
 
بالأرقام، يتوقع المعهد تقلّص العجز المالي من 11.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2018 إلى 8.4% في 2019 و1.2% بحلول 2023. "ونتيجة لذلك، فإن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي التي سجلت 152% في 2019، ستنحدر هبوطا إلى 130% في 2023، بما سيساعد في إستعادة الثقة ويسهّل انخفاض هوامش الـCDS على السندات السيادية اللبنانية من 800 إلى نحو 600 نقطة أساس نهاية 2019".
 
لكن لبنان الذي يستعدّ لبيع سندات بقيمة 2.5 مليار دولار لتسديد نحو 650 مليونا مستحقة اليوم، "يراقب أسواق الدين بعصبية ويأمل في الافادة من معنويات مستثمري الأسواق الناشئة التي تحسّنت بعد تشكيل الحكومة، وعادت إلى مزاج القلق في ظل العجز عن إقرار موازنة 2019"، تقول صحيفة "فايننشال تايمز" في مقال نهاية الأسبوع. وتلفت إلى إرتفاع مؤشر السندات الدولارية الذي تديره شركة "جي بي مورغان" بنحو 10% عن أدنى مستوياته أواخر تشرين الثاني/نوفمبر. "لكن لبنان، الدولة المتوسطية الصغيرة الواقعة بين سوريا وإسرائيل، لديها مجموعة من المخاطر، من نظام سياسي متشابك إلى الإعتماد المفرط على قطاعها المصرفي الضخم". ورأت أن تثبيت سعر الصرف مقابل الدولار "الذي يعتبر مفتاح الإستقرار"، يجعل المصرف المركزي في حاجة بشدة إلى العملات الأجنبية.  
 
ولفتت الى أن وصول الدين العام إلى 150% من الناتج المحلي "هو ثالث أعلى نسبة في العالم". وتطرقت إلى تدابير الموازنة التي وصفها الرئيس الحريري بأنها ستكون "الأكثر تقشفًا" في تاريخ البلاد، فأوردت أن الحكومة ناقشت "تدابير تشمل زيادة الضرائب على الفوائد المصرفية من 7 إلى 10%، مما يزيد معدل الضريبة من 20 إلى 25% على أصحاب الدخول المرتفعة، ويقلّص بعض منافع الموظفين الحكوميين"، إضافة الى خطة الكهرباء الجديدة "التي قد تؤدي الى وقف دعم قطاع الطاقة"... لكن تلك التدابير قد تكون غير كافية لتخفيف المخاطر على الأمد القريب، وفق مصرف "غولدمان ساكس"، لأن تدفقات الودائع لم تتعاف بعد. ويتوقع أن تصل متطلبات التمويل الخارجي للبنان إلى 18.7 مليار دولار هذا العام، مما يعني أن المصرف المركزي سيضطر إلى ضخّ نحو 5.7 مليار دولار من إحتياطيه الأجنبي. "يحتاج لبنان حقا إلى هذه الموازنة لإستعادة تفاؤل المستثمرين". 
 
كل ذلك يتطلب وفق المجتمع المالي، أن تكون معالجة الفساد والحوكمة هي المكونات الأساس للإصلاحات المالية والهيكلية. "لكن يُحتمل أن يسير التقدم في محاربة الفساد تدريجا ويتطلب إرادة سياسية قوية ومستدامة". يدرك المسؤولون أن تلك السياسات تدعم ثقة الداخل والخارج، وتسهّل الوصول إلى قروض "سيدر" التي سترفع الإستثمار العام وتعالج إختناقات البنية التحتية وتعزّز النمو، وتخفّض تاليا أسعار الفوائد. 
 
في الخلاصة، أن أي تحسن في مناخ الثقة سيعزّز النشاط الإقتصادي ويعوّض التأثير السلبي الناجم عن خفض غير مجدٍ للإنفاق العام. خلاف حول الموازنة أم "تفرّق العشاق"؟ بمعزل عن الخلاف والجدل حول مَن يتحمّل كلفة التقشف: القطاع المالي، الحكومة والقطاع العام، السياسيون والمؤسسات المرتبطة بهم، يحتاج لبنان إلى هذه الموازنة... لقد حان وقت الإمتحان!