آراء / مقالات

15 أيار 2019, 08:45
صحيفة النهار غسان العياش
رحل بطريركا للبنان

عندما شاع خبر مرض البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ورحلته الأخيرة إلى المستشفى، كنت أقلّب صفحات كتاب ألّفته قبل 30 سنة حول مجمع اللويزة الماروني، الذي انعقد سنة 1736.
فقد حثّني بعض الأصدقاء على إعادة قراءة الكتاب وتنقيحه، تمهيدا لإعادة طبعه ونشره نظرا لأهمّية مجمع اللويزة في تاريخ الكنيسة المارونية، وبالتالي في تاريخ لبنان.

وما أن عرفت بخطورة الوضع الصحّي للبطريرك العملاق، وأنّه وصل إلى خط النهاية في رحلة الحياة، حتى باتت تدور في مخيّلتي صور صاحب الغبطة ومواقفه التاريخية، وشجاعته وصلابته ووطنيته اللبنانية الصافية، فتختلط تلك الصور مع أحداث مجمع اللويزة الذي بات يعرف باسم "المجمع اللبناني". لقد سبق وتخلّل انعقاد المجمع خلافات ونزاعات صاخبة بين حزب البطريرك، من جهة، وبين حزب الإصلاح المدعوم بقوّة من حاضرة الفاتيكان.

مثّل المجمع ذروة جهود الفاتيكان، التي استمرّت 500 عام، لتنظيم الكنيسة المارونية وفقا للنسق اللاتيني، ونبذ الأفكار والممارسات التي لا تتلاءم مع الكثلكة، أو تتناقض مع طهر وصفاء المؤسّسة الكنسية. لكن الكنيسة المارونية التي تتمسّك باستقلاليتها، حتى تجاه البابوية، دافعت حتى اللحظة الأخيرة عن تقاليدها الخاصّة وحرّيتها في ممارسة الإيمان وفقا للطرق التي تعوّدتها منذ زمن بعيد.

في مجمع اللويزة، اتّحدت القوى الإصلاحية في رحم الكنيسة مع الرهبانية والفاتيكان، ممثلا بالقاصد الرسولي يوسف سمعان السمعاني، صاحب النفوذ الواسع في الحاضرة البابوية. وتمكّن هذا التحالف من فرض الإصلاحات الجذرية رغم المعارضة الشرسة التي أبداها البطريرك يوسف الخازن والمطارنة المؤيّدون له. وقد لعبت فرنسا، عبر قناصلها، دور المؤيّد والداعم للإصلاح.

بعد انعقاد المجمع، بدأت الكنيسة المارونية بالتحوّل إلى كنيسة لاتينية حديثة، في العقيدة والطقوس والهيكلية التنظيمية، وتمكّنت أن تلعب بفضل ذلك دورا سياسيا حاسما في المجتمع الماروني وفي لبنان، من جبل لبنان الصغير وصولا إلى لبنان الكبير.

يعتقد المؤرّخون أن وراء حماسة فرنسا، ومعها الفاتيكان، لتنظيم الكنيسة المارونية يكمن مشروع سياسي كبير، وهو إقامة كيان مسيحي كاثوليكي غرب سوريا، يكون موطئ قدم لفرنسا في المنطقة عندما يحين موعد تقسيم الدولة العثمانية.

الخلاصة أن مشروع دعم الكنيسة المارونية وتعزيز دورها القيادي كان في المقام الأوّل مشروعا سياسيا، موجّها نحو إقامة وترسيخ كيان سياسي للموارنة، وإن كان كيانا متعدّد الطوائف. هذا هو الدور الذي رُسم لبكركي.

لكن عددا من البطاركة، منذ بدايات القرن العشرين، لم يسلّموا بهذه الوظيفة لكنيستهم ولم يلتزموا بهذا الهدف. فقد أصرّوا على خدمة تعايش المسيحيين والمسلمين في إطار الكيان اللبناني، ووقفوا بشجاعة ضد التيّارات المتطرّفة قصيرة النظر في قلب طائفتهم، وفي طوائف الآخرين في آن، متحمّلين مخاطر العزل السياسي والاعتداء الأمني في بعض الأحيان.

هذا هو خطّ البطاركة أنطون عريضة وبولس المعوشي وأنطونيوس خريش، حتى تربّع على عرش بكركي الفارس المقدام مار نصرالله بطرس صفير.

لم يغب عن بال البطريرك صفير أن الموارنة يعيشون في بيئة طائفية مختلطة، وكان نظره دائما منصبّا على اتّجاهات القوى السياسية في طائفته ولكن أيضا على توجّهات الشريك المسلم في الوطن. في المحطّات التاريخية، غامر البطريرك صفير بموقعه ورصيده وأمنه لكي يكرّس التعايش والوفاق بين اللبنانيين. تسلّح بعناده وصلابته لكي يواجه الضغوط، وكان همّه الدائم أن يؤمّن إجماع المسيحيين والمسلمين على المرتكزات الأساسية للبنان، الوحدة والحرية والاستقلال.

للبطريرك نصرالله صفير فضلّ، بل أفضال، على لبنان، وعلى كل اللبنانيين. فهو الذي أوقف سبعة عشر عاما من الحرب الأهلية بتغطيته لاتّفاق الطائف، خلافا للموجة التي كانت سائدة في المجتمع المسيحي وقتذاك، وهو قائد معركة الاستقلال الثاني وبطل مصالحة الجبل.

انتخب بطريركا للموارنة ومات بطريركا للبنان. انتخب قائدا روحيا لطائفته ومات قائدا وطنيّا يدين له بالمحبّة والولاء كل اللبنانيين من كل الطوائف.

هؤلاء سيزحفون إلى بكركي ألوفا مؤلّفة، اليوم وغدا، ليودّعوا قائدا عظيما واستثنائيا في تاريخ لبنان.