EXCLUSIVE

06 أيار 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
من سيدفع ثمن الفساد؟

بدا واضحا في عطلة نهاية الأسبوع، أن مصارف لبنان دخلت في حال إرباك جديدة زادت على رمادية ما تعانيه هذه الأيام. فهناك الكثير مما يقلقها في عزّ مناقشات "موازنة التقشف" التي لم تفلح الحكومة في مواصلة نقاشاتها تحسّسا لأهمية توليد موازنة تحوز رضى مقررات "سيدر" إيذانا بإنطلاق مندرجاته الإقراضية.

إضراب موظفي مصرف لبنان السبت الماضي، قرار مفاجئ يترجم إحتجاجا شديد اللهجة على المسّ بـ"الرواتب وبالأشهر الأساسية والإضافية التي يتقاضاها الموظفون، والمستحقة لهم بموجب القانون الذي ينظّم عمل المصرف والذي ليس له علاقة بمالية الدولة". أيضا، كان إحتجاج على "الهجمة" التي يتعرض لها مصرف لبنان "المؤسسة الوحيدة الناجحة التي بنت الدولة كل مؤسساتها على ظهرها بعد الاحداث الأليمة"، ورفضا لمحاولة إلحاق مصرف لبنان بوزارة المال، أي مخالفة القوانين التي تشدّد على إستقلالية المصرف المركزي، وتحديدا المادة (13) من قانون النقد والتسليف التي تنصّ في "مفهوم المصرف" على أن "المصرف" شخص معنوي من القانون العام ويتمتع بالإستقلال المالي، "ولا يخضع لقواعد الإدارة وتسيير الأعمال وللرقابات التي تخضع لها مؤسسات القطاع العام". وهذا ما يمنع وزارة المال من حقّ الوصاية على مصرف لبنان وموازناته!

المفاجأة، وهي ليست الوحيدة هذه الأيام، نجمت عن إضراب موظفي المركزي غير المسبوق في تاريخ لبنان، فتحوّل سريعا "صدمة" أثارت موجة إستياء وتساؤلات عن مصير الليرة والودائع في بلد إنقطعت فيه كل شعرات الثقة ما بين السلطة والمجتمع... بعدما تكشفت مسببات الهجمة على مصرف لبنان والضغوط التي تعرّض لها على مدى أشهر، ودفعت ثمنها الليرة طلبا غير مبرّر تقنيا، لكنه كان ناجما عن ارتفاع وتيرة المخاوف من غموض المستقبل.

الإرباك المصرفي تبلور أمس في إتصالات فَتحت، ورغم العطلة الأسبوعية، خطوط المصرفيين على مناقشة قرار "إقفال" المصارف اليوم أو تجاهل إضراب موظفي مصرف لبنان، وفتح الفروع أمام الزبائن، رغم إستحالة إجراء العمليات الروتينية، وأقلها التحويلات الماليّة من الدولار إلى الليرة وتحويل الأموال من لبنان إلى الخارج. وإلى تأكيد رئيس إتحاد نقابات موظفي المصارف جورج الحاج أن اليوم "هو يوم عمل عادي في المصارف"، إنقسم مجلس إدارة جمعية المصارف بين مؤيد لقرار الإقفال ومعارض له رغم إعلان رئيس الجمعية جوزف طربيه من بعبدا "أن توقف موظفي مصرف لبنان يجمّد العمل المصرفي". جمعية المصارف لم تحسم قرارها، تاركة لكل مصرف حرية الإختيار، ليقتصر حتما عمل المداومين على إنجاز المعاملات الداخلية، في إنتظار جلاء الإتصالات الجارية لثني موظفي المركزي عن المضي في إضرابهم المفتوح.

في أي حال، لم تربك المصارف من الإضراب المفتوح ومن ضرائب الموازنة. فالعقوبات الأميركية التي تتسرّب أخبار تشدّدها، تقضّ مضاجع "الممتثلين طوعا" للقوانين والتعديلات التي أصدرتها واشنطن، حرصا منها (المصارف) على علاقاتها مع المجتمع المالي، وفي مقدمه، المصارف الشقيقة التي إن بادرت إلى قطع "شعرة معاوية"، ستقطع حتما ظهر القطاع برمته ومعه ودائع المقيمين والمغتربين، لأن ذلك يعني خروج مصارف لبنان عن طوع السياسات الأميركية ومعها الأوروبية والخليجية الهادفة إلى تجفيف منابع تمويل "حزب الله". المصارف تعدّ رحالها لتقصد واشنطن هذا الأسبوع في محاولة متواصلة لإستشفاف مفاعيل ما تسرّب من تسميات لـ"متورطين" مع الحزب وتأكيد صحتها، وأيضا لمحاولة إعفاء "أسماء حساسة" من إدراجها في لائحة "أوفاك". 

إرباك مزدوج يصيب المصارف وتطول شظاياه المجتمع اللبناني برمته، منذ فتحت الحكومة "نار" موازنة الإقتطاعات التي تدرك محاذير عدم إقرارها وفق موجبات "سيدر"، أي وفق تقشف إصلاحي صريح، لا تحايل فيه، مدرج بوضوح غير قابل للإستنساب، في برنامج حكومي ذات طابع إقتصادي شامل، يستهدف الحد من الإسراف في زيادة الإنفاق العام ويحفز الإنتاج لتكبير حجم الإقتصاد وتوفير فرص عمل جديدة. غالباً ما تؤشر الحكومات إلى هذا المنحى عبر موازنتها التي توصف بـ"التقشفية" حين تلجأ إلى خفض الإنفاق للسيطرة على العجز. كذلك، يستخدم التقشف في السيطرة على نمو الدين العام ورفع مستويات النمو. بإختصار، على لبنان إقرار موازنة إصلاحات لا موازنة إجراءات. هل هذا ما تفعله حكومة العهد الأولى؟

مَن يراقب بورصة اليوميات المضطربة التي لم تقفل على وقع تحركات الشارع المعترض إحتجاجا على إقتطاعات غير عادلة من رواتب قطاع عام، فلش عديده لا إنتاجيته، في إقتصاد تتهالك خزائنه عجزا يتفاقم عاما بعد عام، يدرك أن مَن سيدفع ثمن الفساد هو المواطن لا المسؤول عن التسبّب فيه وتمدّد صفقاته ليصبح منظومة مضادة لكل محاولات المكافحة.

لا تولد الأزمات فجأة. فالدول التي ترعى مجتمعاتها، تعدّ سياساتها الإستراتيجية، وتراقب حسن التنفيذ، وتتعظ من مؤشرات يفترض أن تصدر دوريا لتحدّد مسار الأداء العام للسلطة. هذا ما يبدو أن الحكومة، كما الحكومات المتعاقبة، إختارت عدم إعتماده حرصا منها على مصالح مسؤولين مستفيدين من سلطة إدارة الشأن العام، بدليل أن مناقشات الموازنة عُلّقت في عطلة الأسبوع رغم الحماسة التي أبدتها الحكومة على وقع سخونة تحركات العسكريين المتقاعدين، بعقد جلسات مفتوحة توصلا لإقرارها قبل نهاية الشهر.

اليوم، تعود الموازنة إلى بيت الطاعة، وإلى أن تقرّ أرقاما تقشفية إصلاحية، وخالية من الضرائب، ومحفزة للنمو... لكل حادث حديث!