EXCLUSIVE

30 نيسان 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
لم لا ينفع التقشف؟

كان صادما قول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه إتصل بالملك السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود وقال له "أيها الملك، لقد أنفقنا الكثير ونحن ندافع عنك، وأنت تملك الكثير من المال". وخلال تجمع في ولاية ويسكونسن شرقي الولايات المتحدة، قال إن "السعودية دولة ثرية جدا، ندافع عنها، ونقوم بتمويلها، ليس لديها سوى النقود، وهي تشتري الكثير منا، هناك أشخاص يريدون مقاطعة السعودية، في حين أنها اشترت منا ما قيمته 450 مليار دولار، لا أريد أن أخسرها".

كلام ترامب، وهو الثالث من نوعه الذي يكشف عنه في تجمعات سابقة السنة الماضية، تزامن مع خبر يفيد بأن "الشركات الأميركية تبدي اهتماماً بالإستثمار في المشروعات السعودية العملاقة"، بسبب التغييرات في المناخ الإستثماري السعودي خلال العامين الماضيين، والتي فتحت شهية الشركات الأميركية العاملة في المشروعات العملاقة، سواء البنية التحتية أو التكنولوجيا أو الترفيه والإعلام، على البحث عن فرص لها في مشروعات "رؤية 2030".

الولايات المتحدة التي تفتح خطوط إستثمار وتبادل مع السعودية، تبادر إلى قفل المفتوح منها على جبهة "مثلث العقوبات"، إذ بعد سريان مفعول الحظر على النفط الإيراني، دخل الحظر الأميركي على النفط الفنزويلي حيز التنفيذ الأحد الماضي، في مسعى لدفع الرئيس نيكولاس مادورو نحو الخروج من الحكم، عبر استهداف دعامة الإقتصاد الهشّ. وهكذا، باتت محظرا على كل شركة أميركية شراء النفط من "شركة النفط الوطنية" الفنزويلية PDVSA أو من إحدى شركاتها التابعة، كما يُمنع كل كيان أجنبي من إستخدام النظام المصرفي الأميركي للتزوّد بالنفط الفنزويلي.

ليست إيران وفنزويلا وسوريا هي المعنية وحدها بالعقوبات الأميركية، إذ لـ"حزب الله" اللبناني أيضا نصيب منها، طالما بقي وفق إعتبارات واشنطن، "منظمة إرهابية" وأحد إذرع طهران العسكرية. لذا، لا تنفكّ الولايات المتحدة تذكّر لبنان وفي كل مناسبة، مضيّها في تطبيق العقوبات وإتجاهها للتشدّد أكثر فأكثر ضمانا لقطع قنوات تمويل الحزب.

كيف تُترجم تلك الأجواء إقتصاديا؟
من الواضح أن إقتصادات دول "مثلث العقوبات" في تدهور متواصل منذ شدّدت واشنطن طوق العقوبات على الحكومات والمسؤولين وبعض رجال الأعمال الذين تربطهم علاقات وثيقة بالسلطات. 

ففي سوريا، لا يزال رماد الحرب يحجب وضعية الإقتصاد بالأرقام، لكن ليس صعبا التكهن بالإنهيار الذي يضربها منذ العام 2011 نتيجة تراجع مؤشرات الإقتصاد الكلي، وإنخفاض أداء القطاعات الإنتاجية والخدمية، والتدهور في إيرادات الخزينة العامة وتدني المستوى المعيشي للمواطنين. ولعل المؤشر الأبرز هو إنخفاض سعر الليرة السورية مقابل الدولار (بلغ الدولار قبل يومين 560 ليرة سورية)، وأزمة البنزين أخيرا، التي وإن تراجعت حدتها، فهي تعكس مناخ الحصار الإقتصادي الذي تفرضه واشنطن وحلفاؤها على سوريا. ورغم الأزمة، وضعت دمشق موازنة 2019 بقيمة 8.92 مليار دولار، وبعجز مقدّر بـ42.8% وسط تشكيك بقدرة الحكومة على تغطية نفقاتها بسبب تدهور إيراداتها، بما يجعل الموازنة كسابقاتها تعتمد على التمويل بالعجز.

أما إيران الواقعة في قبضة العقوبات منذ إلغاء الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة في أيار/مايو 2018، فتتجه نحو إنكماش إقتصادي بنسبة 6% هذا العام مقارنة بـ3.9% في 2018. وتقول تقارير صندوق النقد والبنك الدولي إن إيران، ثالث أكبر منتجي "أوبك"، تأثرت بعودة العقوبات الأميركية وإنخفاض صادرات النفط إلى النصف تقريباً أي إلى نحو مليون برميل يوميًا، فتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي أكثر مما كان متوقعا. وبإقرار الرئيس حسن روحاني، فأن إيران تواجه أصعب أزمة اقتصادية منذ 40 عاما. ووفق مدير إدارة الشرق الاوسط وآسيا الوسطى جهاد أزعور، فإن نسبة الـ6% للإنكماش، "تعني أن إيران ستواجه انكماشاً للسنة الثانية على التوالي، فيما رفعت العقوبات معدل التضخم إلى نحو 50%".

وربما تكون فنزويلا النموذج الكارثي الأكثر تعبيرا عن الأزمة. فالتضخم الذي إرتفع عقب إنتخاب الرئيس نيكولاس مادورو في 2013 وبدء سريان العقوبات الأميركية، مضى في تسجيل أرقام قياسية ليبلغ بحسب دراسة للمجلس الوطني الذي تسيطر عليه المعارضة، نسبة 1.3 مليون% لعام 2018. وتفاقم الوضع المعيشي منذ إعلان زعيم المعارضة خوان غوايدو نفسه رئيسا مؤقتا عقب إحتجاجات واسعة نتيجة غلاء المعيشة والإنقطاعات المستمرة للكهرباء وشحّ المواد الغذائية والأدوية. ولم تنفع مبادرة حكومة مادورو إلى حذف 5 أصفار من البوليفار (العملة الوطنية) في محاولة لوقف الإنهيار ولجم التضخم غير المسبوق عالميا. وقد أفضى هذا الوضع إلى هجرة نحو 3.2 مليون فنزويلي منذ 2015، غالبيتهم قصدوا دول في أميركا اللاتينية، هرباً من البؤس والفقر والبطالة والجريمة. 
 
الإقتصاد الكارثة، هذا ما حذّر منه صندوق النقد الدولي وتحديدا في المنطقة، مع إعتباره أن العقوبات الاميركية على إيران والإضطرابات السياسية والعسكرية في المنطقة المترافقة مع عدم إستقرار أسعار النفط (تتراجع بضغط من الرئيس ترامب على "أوبك" لزيادة الإنتاج بغية خفض الأسعار)، تتسبّب في تباطؤ النمو الإقليمي "نتيجة درجات عالية من عدم اليقين مدفوعة بالإضطرابات والنمو المحدود". وما يزيد مخاوف المستثمرين هو إحتمال وجود مخاطر في المنطقة، مما قد يؤدي إلى هروب أموال ووضع أسعار الصرف تحت الضغوط.

لبنان، البلد الصغير الذي لامسته قوائم العقوبات الأميركية، لن يكون في حال أفضل. فإقتصاده هشّ وراكد منذ دخلت سوريا دوامة الحرب. وقد إنقسم مشروعه السياسي بين راغب في الإلتصاق بدول "مثلث العقوبات"، وبين ساع لتحييده عن صراعات المنطقة، ولم ينجح تاليا في ترسيم هوية إقتصاده. 

لذا، قد لا ينفع حكومة سعد الحريري أي تقشف تستتر عليه موازنة 2019 بشكل "إقتطاعات" وضرائب مقنعة، لضغط عجز أهلك الخزينة بعدما تجاوز الـ11.2% من الناتج المحلي، وتسعى السلطة بضغط من "سيدر" إلى خفضه ليلامس عتبة الـ9% هذا العام. الشارع اللبناني يهتزّ على وقع إنعدام الثقة التي دفعت بالمتقاعدين العسكريين للإعتصام اليوم إصرارا على حقوق وتعويضات، وربما يهتزّ غدا تحت أقدام عمال لبنان الذين تنذرهم البطالة بأحوال أسوأ وأسوأ.. ولا شكّ في أن السلطة تدرك جيدا أين هي مفاتيح الإنقاذ.