EXCLUSIVE

08 نيسان 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
من عوسج الإصلاحات...

ماذا يفعل لبنان وسط نيران تلتهب في منطقة المتغيرات المصيرية؟ هل يحسن قيادة مسيرته نحو الإنقاذ والخلاص مما يتهدّد إقتصاده ويعد مجتمعه بنهضة موعودة؟ وهل بدأ يعدّ فعلا لتنفيذ مقررات "سيدر" الذي قضى عامه الأول من دون الإصلاحات؟ وهل يتحضّر لموسم صيف سياحي يُعوَّل عليه لتصويب خفوض في مؤشرات قطاعية، بات بعضها دون الأحمر؟

متغيرات تلهب أفق المنطقة وتفتح الآفاق على مستقبل رمادي لم تتحدّد أطره الجيوسياسية بعد. ففي تركيا، لوّحت العاصمة الاقتصادية إسطنبول للرئيس رجب طيب أردوغان بقرب أفول نجمه، فيما تقف الجزائر عند عتبة جديدة بعدما ودعت عبد العزيز بوتفليقة إثر 20 عاما على كرسي الرئاسة. أما ليبيا المتقاتلة قبائليا، فدفعت جيشها إلى وحول طرابلس الغرب لتوّسع إطار حربها العسكرية. وتقف إيران عند عتبة العقوبات الأميركية التي ستتشدّد أكثر فأكثر لتمنع تصدير النفط كليا لتكمل الحصار على إقتصاد طالت مقاومته الذاتية. وليس في سوريا ما يوحي بأن خريطة السلم باتت مؤهلة لفتح صفحة إعادة الإعمار المنتظرة. وأبعد، تدرس أوروبا المتحدة على زغل، طلب المملكة المتحدة تأجيل "بريكست" شهرين إضافيين كي لا ينفرط عقد التحالف الثلاثي في ظل تفاوت المواقف من الإنفصال المرّ. 

هكذا، يبدو العالم منهمكا في أزماته وعاجزا عن التطلع إلى أبعد من حدوده الداخلية، حيث الخارج القريب لا يحمل إنفراجات تتيح لحركة ديبلوماسية قادرة على حلحلة أزمات هذا القرن. 

أمام هذا الإضطراب، يقبع لبنان غارقا في تفاصيله الصغيرة غير آبه لقدوم إستحقاقات داهمة تحتاج إلى بقاء "التسوية" على رفّ الأولويات ليتمكّن، ولو مرغما، من تقطيع المرحلة بأقل خسائر ممكنة. ففي السياسة، ينعدم التوافق على مشروع موّحد يقي البلاد شرّ التخلّف عن الإلتزامات التي قطعها لبنان أمام المجتمع الدولي. فها "سيدر" قضى عاما من عمره، ولم يجنِ من عوسج الإصلاحات تيناً... وأقرب الدلائل في توقعات البنك الدولي للنمو، والتي إنخفضت إلى 0.2% في 2018، و0.9% في 2019 و1.3% في 2020 و1.5% في 2021.

تحت هذا السقف، تهتزّ السياسة لتشتّت الأفكار والبرامج والخطط... وهي إن وُجدت في قطاعات، تغيب في أخرى، بما ينفي وجود سياسات عامة ترعى النظرة المستقبلية للبنان، أو أقله لدورات زمنية تتيح وضع خطط خمسية أو عشرية، وهذا ما تتعمد الدول وضعه تحديدا لرؤية تنتظم في إطارها الحياة الاقتصادية والمجتمعية.

ولولا البصمة الإيجابية التي سجلها لبنان في ملف النفط هذا الأسبوع، حيث أطلق دورة التراخيص الثانية للتنقيب والإستكشاف في خمسة بلوكات جديدة بعدما إستطلع إهتمام شركات عالمية مورّدة للخدمات النفطية، كان يمكن القول أن الأسبوع اللبناني شارف على تسجيل أفدح الهزائم، ليمعن في إضعاف مكونات قوته في مواجهة أكثر الإستحقاقات أهمية: "سيدر" بإصلاحاته وقروضه، والعقوبات الأميركية على "حزب الله" وحلفائه...  

في الإستحقاق الأول، يفترض بلبنان أن يسجل ضربات قاضية في ملف الإصلاحات ليحسّن سمعته والثقة به في المحافل الدولية، وليستعيد بعضا من قوة تساعد في تحسين تصنيفه السيادي المنخفض تدريجا نتيجة الأداء السياسي والإقتصادي والمالي، بما رفع كلفته الإقتراضية، أي مستوى الفوائد التي تتلاءم وحجم ارتفاع مخاطر التسديد لديه. وأولى الخطوات تبدأ بإقرار موازنة "خفض العجز العام" من خلال أبواب الهدر الطوعي، والذي يتشكّل ثالوثه القاتل من أجور القطاع العام ودعم الكهرباء وخدمة الدين العام. 

ويبدو أن "سيدر" كان أول المستاءين مما بلغه من رسائل هذا الأسبوع، حين تعرّض وزير الاقتصاد منصور بطيش، في سابقة، إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، منتقدا الهندسات المالية. وفي الداخل، أثار الإنتقاد صدمة لـ"الحملة التي لا مبرّر لها في التوقيت والمضمون، وهي ستوجه رسالة سلبية الى الخارج، ولا سيما الى الدول المانحة في سيدر". الإرتدادات ظهرت سريعا في بيروت، حيث إضطربت سوق القطع نهاية الأسبوع، مع ارتفاع الطلب على الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية.

وإلى ما يعانيه الاقتصاد اللبناني من ركود بسبب إنكماش النشاط العقاري والمصرفي نتيجة حال عدم اليقين والمناكفات السياسية فضلا عن إنخفاض النشاط السياحي وتراجع دفق الإستثمارات، فإن توسيع دائرة العقوبات الأميركية سيمعن في إضعاف مكانة لبنان الاقتصادية. وفي السياق، أوردت صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتية أن واشنطن تعدّ لفرض عقوبات على رئيس مجلس النواب نبيه بري "بسبب علاقاته طويلة الأمد مع "حزب الله" وإيران"، مشيرة الى أن هذه الإجراءات يمكن أن تشمل مسؤولين في "حركة أمل" وداعميها الماليين بحسب مصادر مطلعة على التحركات الأميركية. 

وفيما لم يكشف مسؤول في البيت الابيض عن موعد الإعلان عن العقوبات، قال مصدر قريب من مستشاري الرئيس دونالد ترامب ومسؤولي وزارة الخزانة الأميركية، إن إدارة ترامب "لن تنخدع بالمواقف الديبلوماسية لبري، وإن الإجراءات قيد النظر تهدف إلى إجبار الزعماء اللبنانيين على اختيار ما إذا كانوا يضعون مصالح البلاد السيادية على مصالح إيران".

وإستباقا، توّجه النائبان ياسين جابر وإبراهيم كنعان يرافقهما المستشار الإعلامي لبري علي حمدان، إلى واشنطن لإجراء محادثات بهدف التخفيف من حدة العقوبات. وستشمل لقاءات الوفد كلا من مارشال بيلينغسلي مساعد وزير الخزانة لمكافحة تمويل الإرهاب والجرائم المالية وديفيد ساترفيلد مساعد وزير الخارجية، وسط مناخ تشيعه أميركا مع تكرار المتحدثة بإسم الخارجية قول مايك بومبيو في بيروت "سيتم استخدام كل شيء تحت تصرفنا" لمواجهة كل من يساعد "حزب الله" أو إيران.

مرحلة حبلى بالإستحقاقات... ولبنان غارق في كومة الإصلاحات بحثا عن عوسج وتين!