EXCLUSIVE

18 شباط 2019, 08:03
Arab Economic News فيوليت غزال البلعة
"حكومة العمل"... وجرعة الثقة!

على خير، أقفل لبنان إمتحان الثقة التي منحها برلمانه المتجدّد إلى حكومة سعد الحريري الثانية، وأطلق العنان لـ"العمل" على الأرض لئلا يبقى شعارا من ورق يزيّن البيانات الوزارية ويدفعها لإغفال الأهم من المهم.

حسنا فعل السياسيون عندما أكدوا في جلسات بيان الثقة نهاية الأسبوع الماضي، تصميمهم على مكافحة الفساد والتزام تطبيق الإصلاحات اللازمة لنهضة إقتصاد ينتظر خلاصا من ركود طال لأعوام، وطمر في خلالها مكونات النمو وعمّم مشاعر اليأس والتشاؤم لدى العاملين والمتعاملين مع عالم الأعمال والإستثمار.

حسنا فعل السياسيون حين إنتقدوا سوء إستغلال السلطة (!)، وإلتقوا في سابقة، حول قيادة المعركة ضد الإهدار المالي والصفقات والسمسرات التي يقوم بها أصحاب المناصب والمراكز العليا في الدولة، باسم الشعب ومصالحه التي لم تعد تلتقي وما تحفل به تطلعاته وأحلامه.

حسنا فعل الرئيس الحريري حين إستعجل "سيدر"، مستدعيا اليوم ممثلي الصناديق العربية والدولية والمؤسسات المالية التي إلتزمت مساعدة لبنان في المؤتمر الباريسي في تصويب الإنحرافات التي أصابت إقتصاده الوطني، ومواجهة أعباء النزوح السوري، ومكافحة الفساد كأحد البنود الإصلاحية المطلوبة من المانحين مقابل تحرير قروض الـ11 مليار دولار المشروطة والمخصصة لإعادة تأهيل مشاريع البنى التحتية في لبنان.

لكن، يُخشى أن يغرق لبنان كما عادته في البروتوكوليات التي تطال الشكل لا المضمون. إذ يبدو أن "لقاء سيدر" التشاوري الأول إتخذ "صفة العجلة" في التحضير والدعوات، بدليل أن ما تمّ تداوله في شأن خبر الاجتماع كان مفاجئا لبعض من إنغمس في إعداد المشاريع وفقا لأجندة حدّدت الحاجات بعد مسح مناطقي شمل نحو 1600 بلدية وسلطات محلية، وإستغرق نحو أربعة أشهر قبل أن تُرصد حاجات البنى التحتية اتشكّل العمود الفقري للخطط الإستثمارية التي بُني عليها "سيدر" وقروضه.

وعلى ذمة متابعين، فإن الدول المانحة أبلغت المعنيين في لبنان وعبر قنواتها الديبلوماسية، قلقها على المسار الذي سيتخذه "سيدر" حرصا منها على إيصال سلة القروض المدعومة والمنح إلى القطاعات المحدّدة وفقا لبرنامج عُرض ونوقش ونال موافقة المانحين على دعمها بغية إنهاضها. وتمثلت المخاوف في تساؤلات عن "الهيئة" التي يفترض أن يعلن لبنان تشكيلها لترسم خريطة طريق مرحلة التنفيذ، وتضمّ ممثلين عن الوزارات المعنية أولا، ومسؤولين تورطوا طوعا في مرحلة التجهيز والإعداد التي ضمنت وصول "سيدر" إلى خواتيمه السعيدة.

ربما لم يكن عامل الوقت مساعدا لحكومة الرئيس الحريري "المستعجل" لإطلاق دفعة ثانية من الصدمات الإيجابية، بعد دفعة أولى شكلّتها ولادة الحكومة وكانت مفاعيلها قصيرة الأمد. فجلسات مناقشة البيان الوزاري إستحوذت على الإهتمامات إستهدافا لنيل الثقة من الداخل، لكن يجب العناية بثقة الخارج لأنها هي التي ستطلق قطار ورشات العمل التي ستسطّر إنجازات فعلية إن تنبّه لبنان إلى خطواته من تعثر غير مطلوب في هذه الأيام.

ففي جلسات الثقة، سمع اللبنانيون الكثير مما تعتمره القلوب وتختزنه النفوس، وهو ما لا يبشّر بخير توافقي تحتاجه البلاد دعما لجهود الإنقاذ قبل السقوط والإنهيار الذي لم تتحمّل أي جهة المسؤولية فيها. فالنقل المباشر على الشاشات المحلية، فتح شهية النواب على قول الكثير من الكلام المباح قبل طلوع صباح الثقة. وبدا هؤلاء في مناقشاتهم لممثلي أحزابهم في الحكومة، وكأن يتأبطون الإزدواجية في خطاباتهم الهجومية، بما أوحى لكثيرين بأن رياح الإنفصام ضربت ساحة النجمة وحطت عصفها تحت قبة البرلمان!

في أي حال، فان المواقف النارية والتعابير الجارحة تلاشت بسرعة البرق مع منح الثقة ومسارعة النواب الـ111 (مانحو ثقتهم) إلى مصافحات التهنئة مباركة لأعضاء "حكومة العمل"، ليغفلوا في الموازاة، وقائع غير مطمئنة وردت في ردود الحكومة، وتحديدا في كلمة وزير المال علي حسن خليل، وهي التي ستشكل لاحقا، الحقيقة المرة التي يجب مواجهتها بكل جرأة، ولا سيما لجهة خفض عجز الموازنة بنسبة 1% على مدى خمسة أعوام. والكلام ورد في سياق "تحميل المسسؤوليات وعدم الإكتفاء برمي الشعارات أو الخطابات"، وفق تعبيره. فالحاجة هي إلى تغيير بنيوي في الموازنة، "لأن الرواتب والأجور والتقديمات، إضافة إلى الكهرباء وخدمة الدين تصل إلى 94%، ليقتصر الإنفاق على نسبة 5%. أما الدين العام فبلغ حتى نهاية الـ2018 نحو 85 مليار دولار، بزيادة سنوية قاربت 7.4%".

أرقام تستوجب وقفة مطوّلة أمام قرارات إصلاحية يطلبها "سيدر" بقوة، ويشدّ على يده إقتصاد متهالك يحاول توسيع خطواته وتكبير حجمه ليتيح المطلوب منه من فرص عمل جديدة، وحركة نشطة تعيد بعض الإنتعاش إلى قطاعات تخلّت قسرا عن حصص كانت موعودة لها في الناتج المحلي الإجمالي، بدليل إنخفاضه الدراماتيكي في العامين الأخيرين إلى نحو 1% كمعدل وسطي.

اليوم تبدأ "حكومة العمل" أولى خطواتها على وقع "سيدر" وقروضه. فهل ستجهد لنيل ثقة المانحين الدوليين بإعلانها تشكيل هيئة المتابعة التي ستتولى إدارة الملف عبر التفاوض والتنسيق مع ممثلي الدول والصناديق العالمية، من أجل "تقريش" الوعود وتحديد أولويات الورشة الإنمائية التي ستصيب حاجات البنية التحتية للبنان؟ وهل ستعتمد الشفافية التامة بعيدا عن سياسة المحاصصة التي لن تفضي إلا إلى إشتباكات وتعقيدات كفيلة بإهدار فرصة ضخّ كتلة نقدية في الإقتصاد؟

صحيح أن أهمية "سيدر" تكمن في جرعة الدعم التي يقدمها المجتمع الدولي لنهضة لبنان. لكن ينقص حتما جرعات دعم من داخل يحتاج إلى أفعال لكي يمنح "حكومة العمل" حاجتها من الثقة!